الهروب إلى السجن الكبير

سيبدو الحديث في هذه المقالة سمجا لبعضهم، فالمقاربة ليست مناسبة، أو بعيدة، حسب ما سيرى كثيرون، ولكن آخرين سوف يستوعبون المقاربة ويبتسمون، والابتسام في هذا الظرف الحالك معجزةٌ تضاف إلى معجزة الهروب من السجن الصغير. ويبدو أن المقاربة الغريبة بعض الشيء لا بد منها، لأخذ عبرةٍ صغيرةٍ أو درسٍ يجب ألّا يمر مرور الكرام.

موغلة في الحرص والخوف والريبة وتبلبل الأخبار، كنت أحاول إخفاء ترقّبي مصابا قد يقع في بيتي مع تفشّي فيروس كورونا، وجاءت ابنتي، ذات صباح، لتقصّ علي حلما رأته في منامها. وهكذا طرت بتفاصيله لمن اعتادوا تفسير الأحلام عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وكان تفسيرُه لديهم أن وباءً سيحلّ بالبلاد، وسينجو أهل بيتي. وهكذا استرحتُ مع تدابير احترازية متواضعة. وكلما اقترب الوباء من أحد من معارفي، كنت أتذكّر حلم ابنتي، وأشعر بطمأنينة. ويبدو أن عِظَم البلاء قد يجعل المرء يتمسّك بحلم أو رؤيا أو حتى خرافة ومعتقد، وربما كان ذلك من أسباب ظهور التطيّر والتشاؤم والاستبشار بحركة النجوم وأحوال الطيور على سبيل المثال، وربطها بما يحدُث للبشر على الأرض من مصائب ونوائب.

فجأة، وكما هرب الأسرى الستة من واحدٍ من أكثر سجون العالم تحصينا، هجم فيروس كورونا على بيتي. وأصبحنا جميعا طريحي الفراش، لا نصدّق أننا قد أصبنا بالفيروس بعد أن صدّقنا الحلم، وتضخّم معنا شعورُنا المضحك بالاصطفاء، بناء على أحلام ابنتي ورؤاها “اللي ما بتنزلش الأرض”. وفي ذهولٍ، كنت أراقب حرارة ابنتي الصغيرة المرتفعة، مثل ما انحنى مدير سجن جلبوع يتأمل فوّهة النفق الذي هرب منه الأسرى الستة.

هكذا لا توجد مسلّماتٌ تصل نسبة تصديقها أو صحتها إلى مائة بالمائة، مهما حاولت أن تفعل لكي تقنع بها من حولك، ولكنك تتراخى. المصيبة في التراخي والاستهتار أو عدم اتخاذ التدابير والتحصين الكافييين، وربما الاتّكال على حلم والاتكال على الترويج والتضخيم الإعلامي عن سجن جلبوع وتحصينه ومناعته، حتى نامت الحارسة قريرة العين مع سماعها صوت جلبة ما، ولكنها لا تريد أن تصدّق أن حشرةً يمكنها أن تتسرّب من هذا الحصن المنيع.

أعرف جيدا، وأتخيل انقلاب معظمكم على ظهره من هذه المقاربة، ولكن الحقيقة أن هذه الحياة لا نستطيع أن نُمسك بطرف حلّ لغزها، فكلما أوغلنا في الثقة فوجئنا، مثل ما نوغل في التعلق بشخصٍ قوي وبصحة جيدة ويكون هو المستشار الأمين، والصدر الحنون والظهر والسند وغيرها من التسميات، ثم فجأة يقع على الأرض بلا حراك وقد سُلبت منه روحه، ولم يعد يجدي لك نفعا، وعليك أن تتقبل حقيقة الموت، هذه الحروف القليلة التي لا تزال تكتشفها وأنت تمضي بعمرك المتسارع ركضا نحوها.

عودة إلى الحديث الجادّ عن هروب الأسرى الستة، ثم القبض على أربعة منهم، وهذا ما يثير العجب، ويجعل بائسين يقولون إن لا جدوى من الهروب؛ فالأرض كلها ملك للاحتلال البغيض، وكأنها رقعة شطرنج مبسوطة فوق طاولةٍ وثيرةٍ في غرفة ملك عظيم: أين يذهب هؤلاء، ولم المحاولة من الأساس .. والإجابة باختصار أنهم قد نالوا شرف المحاولة، ومرّغوا أنف العدو في التراب، فقد استطاعوا أن يحفروا نفقا في زنزانة عاما من دون أن يشعر بهم أحد، حتى أن إدارة السجن بدأت في فحص هيكل السجن خوفا من وجود أنفاق أخرى، بالتعاون مع الجيش وخبراء البناء والهندسة.

شرف المحاولة يكفي، مثل ما قلت لأولادي إننا أصبنا، ولكننا سننجو، وهمسْتُ لابنتي إن حلمها لم “ينزل أرضاً”، فنحن فسّرناه كما نريد بأننا لن نصاب بالفيروس الذي يحاربه العالم، وكان الأجدر أن نفسّره أننا سنصاب وننجو، مثل ما علينا أن نفسّر عملية الهروب إلى السجن الكبير بأنها كانت ناجحة بامتياز، وبأنها أرسلت رسالة مختصرة إلى العدو، أن القادم أعظم، وكما قالت الجدّات” الجايات أكثر من الرايحات”.