الأسلحة السينمائية الفاسدة (4)

حين تراجعت أهمية الصراع العربي الإسرائيلي واشتعلت الجبهة الداخلية في مصر في عام 1951، وما تلاه من أحداث أدت إلى اندلاع ثورة يوليو 1952، تضاءلت الإشارة إلى إسرائيل في السينما المصرية، فلم نلمس حضورها بشكل واضح إلا في فيلم (أرض الأبطال) الذي أخرجه نيازي مصطفى عام 1953، وقدم فيه زوجته كوكا التي كانت متخصصة في لعب الأدوار البدوية، ولذلك لم تجد صعوبة في الحديث بنفس لهجتها وهي تلعب دور فتاة فلسطينية يحبها شاب قرر التطوع في حرب 48 بعد أن علم أن والده الثري سيتزوج الفتاة التي يحبها، وبعد أن يقرر الزواج من الفتاة الفلسطينية التي تعرف عليها خلال اشتراكه في القتال ضد إسرائيل، يفقد بصره في عملية عسكرية بسبب الأسلحة الفاسدة التي قام والده بتوريدها للجيش، وبالطبع لم يكن لتذكر الأسلحة الفاسدة علاقة بحرب فلسطين، بقدر ما كان له علاقة بمغازلة حكومة الثورة التي اتهمت عهد الملك فاروق بالتسبب في حرب فلسطين وفتحت ملف الأسلحة الفاسدة بشكل اختلط فيه الحق بالباطل، ولم تتكرر تلك الإشارة إلى حرب فلسطين بشكل واضح في العديد من الأفلام التي تحدثت عن مثالب ومخازي “العهد البائد”، إما كتحية تقدير وأمل في “العهد الجديد” أو رغبة في مغازلة الضباط الأحرار الذين لم يكن الحديث عن فلسطين وتحريرها على رأس أولوياتهم المعلنة في تلك الفترة.

في عام 1956، وحين وقع العدوان الثلاثي الذي شاركت فيه إسرائيل مع كل من بريطانيا وفرنسا، عادت حرب فلسطين لتكون حاضرة في خلفية فيلم (بور سعيد الباسلة) الذي عرض عام 1957 من إنتاج وبطولة فريد شوقي وسيناريو وإخراج عز الدين ذو الفقار، فبطلا الفيلم فريد شوقي وهدى سلطان استشهد والداهما في حرب فلسطين، وهو ما يجعل اشتراكهما في مقاومة العدوان الثلاثي على مصر وبور سعيد أقرب إلى الثأُر المقدس، لكن الفيلم الذي قرر فريد شوقي أن يصور بعض مشاهده في مدينة بور سعيد خلال وقوع العدوان وبمساعدة مهمة من المقاومة الشعبية، وقع في فخ التصعيد الرسمي والشعبوي ضد اليهود المصريين، حين قدم توفيق الدقن شخصية حلاق يهودي خائن يقوم بتوجيه طائرات الإنجليز والفرنسيين لضرب أهدافها، ويتم مبادلته في نهاية الفيلم بالأسير فريد شوقي بطل الفيلم ومنتجه.

فيلم (صراع الجبابرة) لم ينل حظه من النجاح الجماهيري، ولذا لم يتشجع منتجون آخرون لتقديم أفلام “حربية وطنية” من نفس الطراز

لكن السيناريست المخضرم علي الزرقاني الذي كتب حوار الفيلم الذي اشتهر باسم (بور سعيد) بعد أن تم وضع كلمة (الباسلة) ببنط صغير جدا، اشترك في نفس العام مع كمال الشيخ في تقديم فيلم أفضل فنياً وأكثر بعداً عن المباشرة وتملق نظام عبد الناصر، هو فيلم (أرض السلام) الذي يحكي قصة تسلل فدائيين مصريين بمساعدة البدو في سيناء للتسلل إلى داخل إسرائيل وتفجير مستودع بترول ضخم في عملية فدائية نفذت بإتقان على الشاشة، وقدمت قصة حب بين المصري عمر الشريف والفلسطينية فاتن حمامة ساهمت في إنجاح الفيلم الذي كان مخرجه كمال الشيخ يعتز به جداً كما قال في حوار أجريته معه ونشرته من قبل في هذه المدونة، لكن صورة الإسرائيلي في الفيلم قدمت من منظور لقطات بعيدة المدى أو بوصفه الهدف العدو الذي يتعرض للضرب والتفجير، وهو ما حدث أيضاً في فيلم (بور سعيد) الذي سبقه، وفي فيلم (عمالقة البحار) الذي تلاه بثلاثة أعوام وقدم مخرجه السيد بدير جانباً من بطولات مواجهة العدوان التي اشترك فيها الشهيد السوري جول جمال، ليواكب سياسة “الجمهورية العربية المتحدة” في التأكيد على وحدة المصير بين مصر وسورية. ومع أن الإذاعات المصرية والتلفزيون الذي تم افتتاحه لم يكن يتوقف عن الهجوم على إسرائيل، إلا أن السينما ظلت بعيدة عن الصراع العربي الإسرائيلي في تلك الفترة، ليقتصر حضوره على هذه الأفلام الثلاثة، بالإضافة إلى ظهور حرب 56 والعدوان الثلاثي في خلفية الأحداث في عدة أفلام، مثل لا تطفئ الشمس والباب المفتوح وغيرها من أفلام النصف الأول من الستينات.

لم يكن ذلك الابتعاد السينمائي عن الصراع العربي الإسرائيلي بتوجيه من أجهزة الدولة التي تحكمت في كل ما يتم إنتاجه وعرضه، بدليل أن الدولة سمحت في عام 1962 بالتطرق إلى الصراع مع إسرائيل في فيلم تجاري بعنوان (صراع الجبابرة) كتب قصته المخرج المصري زهير بكير وشارك في إخراجه مع المخرج السوري ريمون نصور، وشارك في بطولته أحمد مظهر ونادية لطفي واستيفان روستي وتوفيق الدقن.

ومع أن الفيلم قدم مشاهد شديدة المباشرة والخطابية، من بينها مشهد يظهر فيه الصهيوني استيفان روستي وهو يجبر فلسطينياً على بيع أرضه فيقول له “شو هالحكي أرض العرب صارت لليهود، لأ ما عندنا أراضي”، وعندما يقوم الصهاينة بإعدام ثلاثة فلسطينيين يكون الرد بعبارة “إيه فايدة إعدامهم إذا كانوا تقتلوا ثلاثة يطلع منهم ثلاثين”، إلا أنه حاول أن يقدم رؤية مختلفة لليهود المصريين بشكل خاص، واليهود الشرقيين بشكل عام، فبرغم أن بطلة الفيلم الراقصة ليليان تسافر إلى فلسطين إلا أنها تتغير بعد ذلك حين تلتقي بحبيبها القديم فريد الذي هرب إلى إسرائيل بعد أن تم اتهامه في جريمة قتل، وحين تتعرض يهودية تلعب دورها ميمي جمال للاضطهاد من السلطات نراها في الفيلم تقول “يا ناس حرام عليكو ده أنا يهودية شرقية زيكو”، فيعلق يوسف فخر الدين قائلاً: “يا خبر.. يهود بيعاملوا بعض بالشكل ده”. وبالطبع يأتي دور أحمد مظهر ليوجه الرسالة الأهم التي يفترض أن تؤثر في يهود الشرق الذين سيقع الفيلم في طريقهم قبل اتخاذ قرار الهجرة إلى إسرائيل قائلاً: “لو يهود الشرق يشوفوا المنظر ده ما كانش حد فكر فيهم يهاجر”. ومع أن الفيلم يقدم نهاية شبه سعيدة، إلا أنه يجعل الباب مفتوحاً لمزيد من الصراع مع الجبابرة، حيث ترد في نهايته عبارة “إلى النصر”.

لكن فيلم (صراع الجبابرة) لم ينل حظه من النجاح الجماهيري، ولذا لم يتشجع منتجون آخرون لتقديم أفلام “حربية وطنية” من نفس الطراز، حتى أن نيازي مصطفى حين بدأ تقديم موجة أفلام الجاسوسية في عام 1964 بفيلم (الجاسوس) من بطولة فريد شوقي وعادل أدهم وحكى قصة شبكة جاسوسية تحاول الاستيلاء على أسرار البحرية المصرية، لم يقم بشكل صريح بالتأكيد على انتماء تلك الشبكة إلى العدو الإسرائيلي الذي كانت جميع وسائل الإعلام تتحدث عن خطورته على مصر وأمنها، وقام بتجهيل هوية تلك الشبكة إلى حد كبير، وقيل إن ذلك تم لتجنب الاصطدام بالرقابة العسكرية التي كانت تشترط أن يتم مرور أي فيلم يتناول أي تفاصيل لها علاقة بإسرائيل، لكن المؤكد طبقاً لوثائق ومذكرات تلك الفترة أن أغلب السينمائيين المصريين المهمين لم يحاول أي منهم إنتاج فيلم يتحدث بشكل مباشر عن الصراع العربي الإسرائيلي، برغم سعيهم لمناوشة الرقابة في أفلام عديدة، وبالطبع نستثني من ذلك فيلم الناصر صلاح الدين الذي أخرجه يوسف شاهين في عام 1963. وبرغم تميزه الإبداعي، إلا أن شاهين كان يدرك جيداً رغبة الدولة في استثمار ما قدمه الفيلم لتدعيم دعايتها التي تصور جمال عبد الناصر في صورة القائد المحنك الذي يحب السلام ويكره الحرب، لكنه حين يضطر إليها يحقق انتصارات ساحقة تجعل الأعداء يندمون على اليوم الذي اختاروا فيه الحرب.

نكمل غداً بإذن الله