موسيقى الكونتري وصدمة 9/11

عشرون دقيقة، هي الزمن الذي استغرقه مغني الكونتري الأميركي توبي كيث (1961) لتأليف أغنية “لأجل الأحمر، الأبيض والأزرق/ الأميركي الغاضب”، بوصفها رد فعل على هجمات 11 أيلول التي ضربت الولايات المتحدة، وبلغ عدد المستمعين لها على يوتيوب ما يفوق الـ51 مليوناً لحظة كتابة هذا المقال، وفيها يستذكر كيث والده العسكريّ الذي رحل إثر حادث سيارة في ذات عام الكارثة، إذ نشاهد صور والد كيث إلى جانب صور الحفلات التي غنى فيها كيث للجنود الأميركيين، شاحناً عزيمتهم، ومهدداً الأعداء بالعدالة، وبأن الكلب الغاضب سيقاتل وسيركل مؤخرة الأعداء على الطريقة الأميركية.

لا يُستغرب موقف موسيقى الكونتري التي لطالما حملت القيم الوطنيّة، وعكست الشخصية الأميركيّة المحافظة التي تميل نحو اليمين، تلك المتحمسة للحرب، وتنتصر للرجل الأبيض، والأهم، ترى في العنف الحل المناسب لأي مشكلة، هذه الصيغة التقليديّة تراجعت منذ الستينيات مع حركات الحقوق المدنيّة، لكنها عادت للمقدمة مع أحداث 11 سبتمبر واقتحمت السوق ولوائح أفضل الأغنيات، وأصبحت الكلمات تتحدث بوضوح عن الحرب وضرورة القضاء على الإرهاب، وهذا ما نسمعه في الأغنية التي اشتهرت عام 2003 “هل نسيتهم؟” لداريل وورلي، التي يقول فيها بوضوح إن أميركا تريد الحرب، وعلينا ألا ننسى أسامة بن لادن، لأن “الجنود في الحرب لن ينسوا ما يقاتلون لأجله” خصوصا أن “الوطن يتعرض للهجوم”.

نتلمس أيضاً نزعة رومانسية ومحاولات العزاء في موسيقى الكونتري التي تعود لتلك الفترة، ففي أغنية “أين كنت حين توقف العالم عن الدوران” لآلان جاكسون، يستعيد الأخير بدقة لحظة الهجوم، ويسائل لحظة الصدمة التي أصابت كل أميركي، فالأمر أشبه بدوامة عاطفيّة خلقتها الفاجعة التي شوشت رأي جاكسون، لكنها لم تهدد فخره الوطني بالأحمر والأبيض والأزرق ( ألوان العلم الأميركي)، إذ نسمع مثلاً عبارة “لا أعرف الفرق بين العراق وإيران” في إحالة إلى “محور الشر” دون يقين محدد لكنها إشارة إلى “العدو” بشكل ما، عدو غير معروف بدقة، فالمغني “ليس سياسياً” لكن غريمه هناك في الشرق الأوسط، وبالتالي “لا بد من شراء سلاح” كما فعل البعض حسب الأغنية.

أعادت أحداث الحادي عشر من سبتمبر بعض مغني الكونتري إلى الواجهة، إذ إنّ لي غرينوود، سبق له أن اشتهر بأغنيته الوطنية “ليبارك الله الولايات المتحدة” والتي سجلت عام 1984، واكتسبت شهرة أكبر إثر حرب الخليج الثانية بوصفها احتفاء بالحرب والعسكر، ثم ما لبثت أن تلاشت إلى حين الهجمات على نيويورك، ثم مرة آخرى عام 2003 بعد غزو العراق. ويمكن فهم ذلك إن تأملنا طاقة الكيتش الفائقة التي تحويها الأغنية، كل الرموز الوطنية مكدسة وتتدفق في الكلمات والصور لشحن العواطف والاحتفاء بالحرية الأميركيّة بصورة لا يمكن إثرها متابعة الاستماع، هي واحدة بالأغاني الوطنية التي تظهر عند الكوارث، والتي تقسم الناس بين مواطنين وأعداء، وترسم حدود الجماعة وترسم أهدافها، كحالة أيّ كيتش، يلبي رغبة عاطفية أكثر منها فكرية أو نقدية أو جماليّة.

الهوية المحافظة والمستعدة للحرب التي رسمتها موسيقى الكونتري، رافقها استثناء ومقاطعة لكل من يقف بوجه “الوطن” خصوصاً من الفنانين، وهذا بالضبط ما حصل مع فرقة “فتيات الجنوب”، التي لم تدعم عضواتها الحرب على العراق، وصرحن بذلك علناً، ما أدى إلى مقاطعتهن بصورة شبه كاملة، وإيقاف أغانيهن من الإذاعات، ناهيك عن تلقيهن تهديدات بالقتل، ووصلت المواجهة المباشرة إلى الشتم، إذ ارتدت واحدة من أعضاء الفرقة، ناتلي ماينس، في حفل توزيع جوائز موسيقى الكونتري قميصاً يحوي شتيمة واضحة لتوبي كيث، سابق الذكر، ناعتة إياه واغنيته التي ألفها بـ 20 دقيقة، بالجهل.

لا يمكن حصر كل موسيقى الكونتري التي تناولت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لكن كأي شكل من أشكال الاحتفاء الوطني، هي تنتصر لسلطة الدولة العدوانيّة، أي تحتفي بالحرب، وتخاطب كل فرد مدللة مشاعره وحسه الوطني ومن يرفض هذه الدوغما، لا يعتبر مختلفاً بالرأي، بل تنفى عنه صفة “الأميركي” ، كحالة “فتيات الجنوب” وهنا يمكن أن نفهم النزعة الوطنية بشكلها الأشد، هي تنفي عمن يختلف معها صفة المواطنة والانتماء، وكأنه يطرد خارج البلاد مجازياً، إذ ترى هذه الدوغما أن حدثاً جللاً أصاب الوطن ولا يجوز الاختلاف عليه أو مساءلة رد الفعل تجاهه، فالتراب الوطني يتعرض للهجوم ولا بد من الدفاع عنه حتى لو كان العدو ضبابياً إذ لا نتلمس في الأغنيات عدواً واضحاً، صدام حسين؟ أسامة بن لادن؟ إيران؟ “العرب”؟

كل هذه الكلمات تتردد من دون أن نعرف بدقة من المقصود، وهذا بالضبط ما انعكس لاحقاً في الحرب على العراق، والانتقادات التي وجهت لجورج بوش، ممن تريد الانتقام بدقة؟

تلبية الحمية الشعبية والرغبة بمعاقبة الأعداء بالأسلوب الأميركي وجدتا حاملا لهما في موسيقى الكونتري، التي استفادت من تاريخها المحافظ والأبيض والعنصري من أجل تحريك الحماسة سواء لدى الناس العاديين أو العسكريين، وتوجيه أصابع الاتهام بـ”عماء” تجاه أي مشتبه به، خصوصاً وكما نرى في أغنية “حين توقف العالم عن الدوران” أن الجميع مطالب بإبداء رأيه، والوقوف إلى جانب جيشه، فالأغنية تراهن على الذاكرة الفرديّة للأميركيين، فالكل مهدد، ولا بدّ من التصرف، والدفاع عن القيم الأميركيّة وإن بقوة السلاح.