قلعة راشيا الوادي… إرث تاريخي وحضاري للاستكشاف في لبنان

“للأسف لا بحث لعلم الحضارة في راشيا الوادي يدلّنا على التاريخ الحقيقي لقلعتها، والآثار الموجودة فيها”. هكذا يبدأ ابن راشيا الوادي الاختصاصي في علم اجتماع التنمية وباحث الآثار الدكتور منير مهنا حديثه لـ “العربي الجديد”، مضيفاً: “تلعب الصدف دورها في أحيان كثيرة، وهو ما حصل خلال عملية ترميم مؤسسة الوليد بن طلال الإنسانية القلعة في بداية العام 2000 حين تبيّن وجود قبور صخرية لا تحتوي أي شيء في الباحة الخارجية للقلعة، ما شكل دليلاً على التاريخ القديم للقلعة. كما اكتشف خلال عمليات لمدّ شبكة للمياه في راشيا الوادي وجود دهليز يصل القلعة بالمنطقة الغربية للبلدة، ثم ظهرت أربعة دهاليز أخرى لاحقاً يعتقد بأنها استخدمت في تهريب محاصرين في القلعة إلى خارجها بأمان لمسافة تزيد عن 500 متر. وفي حال أخضعت هذه الدهاليز لدراسات اكتشاف دقيقة، ستعطي قيمة مضافة للقلعة”.

الموقع والتاريخ
راشيا الوادي (جنوب شرق) وقلعتها المعروفة باسم “قلعة الاستقلال”، باعتبار أن الانتداب الفرنسي اعتقل فيها رجال الاستقلال خلال الفترة بين 11 و22 نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1943، إحدى بلدات وادي التّيم والعاصمة الصيفية للأمراء الشهابيين الذين اتخذوا من بلدة حاصبيا عاصمة شتوية. وترتفع القلعة نحو 1400 متر عن سطح البحر، وهي مبنية على مساحة تزيد عن 8000 متر مربع.

وراشيا الوادي أقدم عهداً من الأمراء الشهابيين. ويدل اسمها على بعدها التاريخي والحضاري، فالكلمة سريانية – آرامية مركبة من مقطعين، الأول هو “راش” ويعني الرأس، والثاني “آيا” أي المياه العميقة والعذبة، ما يظهر أيضاً العلاقة بين راشيا الوادي وجبل حرمون المعروف بجبل الشيخ الغني بالمياه والثلوج، حيث يتساقط عليه نحو 460 مليون متر مكعب من مياه الأمطار. ويشير مهنّا إلى أن وجود القلعة على رأس تلّة وموقعها الجيوستراتيجي سمح لها بلعب أدوار مهمة عبر التاريخ، أقدمها يعود إلى القرن الحادي عشر حين بنى الصليبيون حصناً لهم فيها بهدف تأمين مسار الحجاج المتوجهين نحو القدس وبالعكس، علماً أن وادي التيم كان تاريخياً الممرّ الطبيعي بين عواصم المنطقة، لذا كانت وظيفة القلعة وحصنها تأمين قوافل الحجاج والتجار”.

يضيف: “بالعودة إلى ما قبل الصليبيين، يعد البرج الواقع في الجهة الجنوبية الغربية للقلعة أقدم أماكنها. ويرجح أن هذا البرج كان معبد إله الطقس والمياه العذبة والعميقة بدليل وجود مجموعة من أربع آبار رومانية داخله، كان كلّ منها يتّسع لأكثر من خمسة آلاف جرّة مياه. واليوم لا تزال توجد بئر واحدة قيد الاستعمال، في حين ردمت الآبار الأخرى بفعل الزمن وعوامل أخرى. وإلى جانب البرج هناك قصر القناطر الذي سكن فيه الأمير أبو بكر شهاب”.

من العثمانيين إلى الفرنسيين
يلفت مهنّا إلى أنه “خلال حكم العثمانيين كانت تسمّى القلعة باسم القشلة، وهي كلمة تركية تعني مكان إيواء الخيول والماشية. ولكن عندما أتى الفرنسيون إلى وادي التّيم جعل الجنرال هنري غورو القلعة قاعدة عسكرية ومقراً سياسياً لتلبية طموحات الوجود على مسافة قريبة من دمشق، إذ إن راشيا الوادي كانت أحد الأقضية الأربعة التابعة لدمشق. واختيار الفرنسيين راشيا الوادي وقلعتها سببه موقعها الاستراتيجي”. يتابع أن “الحدث الأبرز والأكبر الذي شهدته القلعة تمثل بمهاجمة الثوار لها بقيادة زيد الأطرش، شقيق سلطان باشا الأطرش، عام 1925، حين سقط 400 شهيد من الثوار في المعركة التي استمرت من 20 إلى 24 من أكتوبر/ تشرين الأول. وقد ترك الفرنسيون خلفهم أسماء أولئك الشهداء إضافة الى 22 صورة تشهد على تدمير وحرق راشيا الوادي. وحتى اليوم لا يزال الفيلق الرابع للقوات الخارجية في الجيش الفرنسي يذكر موقعة قلعة راشيا في نشيده، بسبب تكبد الفرنسيين خسائر فادحة في المعركة”.

ويبدي مهنّا أسفه لأن “هذه المعركة لم يذكرها التاريخ الرسمي، وأن تاريخ راشيا الوادي وقلعتها الأثرية سقط في طيّ النسيان، لكن حدثاً مهماً جداً أضاء على قلعة راشيا التي بقيت تحت سلطة الفرنسيّين حتى عام 1946، وتحوّلت لاحقاً الى سرايا لإنجاز معاملات رسمية حتى عام 1964، حين طلب الجيش اللبناني التمركز فيها، وهو أمر مستمر حتى اليوم تحديداً في الجزء الأثري للقلعة الذي يسمح بالدخول إليه في مناسبات معينة، مثل يوم الاستقلال، أو بعد أخذ إذن من الجيش نفسه”. يضيف مهنا: “عندما اعتقل الفرنسيون رجال الاستقلال بين 11 و22 تشرين الثاني من عام 1943، لا بد أنهم اختاروا المكان الأكثر تحصيناً، فسجّلت قلعة راشيا هذا الحدث بجزء من تاريخها”.

سياحة
غالبية زوّار القلعة، على قلّتهم، لا يعرفون سوى الشكل الخارجي للقلعة الأثرية والمكان الذي اعتقل فيه رجال الاستقلال ويعرف بـ “جناح رجال الاستقلال”، وكذلك جزء قليل من تاريخها. يؤكد مهنّا أن “راشيا وقلعتها تحتاجان في المستقبل إلى أن يكونا معلمين لا يضيئان على الاستقلال فقط، بل على إرثهما التاريخي والحضاري. وهما يعانيان كما كل الأماكن الأثرية والتراثية في المنطقة من غياب الاستراتيجية التي ترسم السياسات السياحية. والقلعة خصوصاً تعاني من غياب واضح عن الخريطة السياحية في لبنان، إّلا في حدث الاستقلال الذي لا يمكن تجاوزه”. ويعتبر مهنّا أن “وجود الجيش اللبناني في القلعة وظيفي وبينها إزالة تعدّيات لأبنية جديدة أنشئت في محيطها. وقد ساهم الجيش سابقاً في إنشاء المتحف العسكري داخل القلعة، ما يمثل خطوة مهمة كثيراً يمكن الإفادة منها، لذا نحتاج إلى تكامل في الرؤية المحلية الخاصة بهوية راشيا وقلعتها ومكانتهما. وهذا الجهد مطلوب من باحثين ومهتمين وهيئات رسمية وجمعيات أهلية، مع الاهتمام بتطبيق سياسات مركزية تلحظ التكامل بين الإرادة المحلية والإرادة المركزية”. ويشدّد مهنّا على “أهمية وجود وعي سياحي محلّي للإفادة من القلعة وتاريخها، كي لا تبقى هذه الآثار وهذا التاريخ في طيّ النسيان”.

 

زوّار
في جولة أجرتها لـ “العربي الجديد” داخل القلعة، لم يتجاوز الزوار عدد أصابع اليد الواحدة، وهدفهم الوحيد تمثل في معرفة أين اعتقل رجال الاستقلال، ربما لأن تاريخ القلعة بات محصوراً بهذه المناسبة، وهو أمر مهم وذو دلالات رمزية، لكنه يحجب أيضاً الكثير من تاريخها الذي يحتاج إلى كشف الجهات المعنية النقاب عنه. تقول الزائرة إيفا نفاع: “أتيت من بيروت لزيارة القلعة، وأكثر ما لفت انتباهي هو العلم اللبناني الشامخ مثل القلعة والجبل العالي”. وتبدي رفيقتها ابتسام حداد رغبتها “في مشاهدة عدد أكبر من السيّاح للقلعة، ووجود تسهيلات أكثر كي يزور الناس القلعة”. تضيف: “صحيح أنها قلعة الاستقلال، لكننا لسنا مستقلّين، لذا يجب أن يكون هناك استقلال حقيقي كي تأتي الناس لزيارة المكان، وتفتخر به”.

من جهته، يصرح فادي حداد الذي أتى من مدينة زحلة في البقاع لزيارة القلعة: “أحببنا أن نرى تاريخ لبنان الأصيل، وأين اعتقل رؤساؤنا العظماء الذين لا يشبهون رؤساء اليوم. رأينا هنا الاستقلال الحقيقي وليس الاستقلال المزيف اليوم، وأعتقد بأن المجازر التي شهدتها هذه القلعة عبر التاريخ مخيفة. لبنان بلد الآثار والتاريخ والتراث التي تعتبر من أهم الموارد للبناء عليها في نهضته المستقبلية. وإذا تفحصنا أي بقعة فيه وقلّبنا حجراً من حجارته نجد التاريخ”.