العائلات الغنائية: تنميطٌ فني أم توريث؟

لا شك أنّه إلى جانب عائلات سياسيّة عريقة مُتجذّرة في الاجتماع المغربي، يعثر المرء أيضاً على عائلات فنيّة اقتحمت مجال الغناء والتلفزيون منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي. فقد استطاعت هذه الأسماء صناعة مشروع غنائي مُركّب ينطلق من خصوصية سياقات محلّية وعربيّة، قادرة على فهم واستيعاب تحوّلات مرحلة تُهدي سياسياً واجتماعياً. ففي المُنجز الغنائي للمُطرب المغربي البشير عبدو المُنتمي تاريخيّاً إلى الجيل الثاني من مسار تطوّر الأغنية المغربيّة، يعثر المُتابع على مشروع غنائيّ متكامل مع مسار تلفزيونيّ لزوجته الممثّلة نزهة الركراكي، كأبرز الوجوه النسائية، التي شغلت برهة من الزمن التلفزيون الرسمي بأفلام ومسرحيات، ماتزال مُنطبعة فنيّاً في ذاكرة البلد. 

لقد حقّق البشير مكانة هامّة مُتفوّقاً على عشرات من أصوات جيله، بسبب صوته البسيط المُذهل وصورته كفنّان مُهذّب لا يُحبّ الأضواء ولا يتقافز صوب الشهرة على خشبات المسارح العربيّة. وإنْ بدا البشير عبدو في السنوات الأخيرة مُتقاعساً و”ضعيفاً”، أمام شهرة ابنه سعد لمجرد (1985) الذي أضحى يتجاوزه بـ”سنوات ضوئية”، بحكم طفرة تكنولوجية عزّزت إنتاجه الغنائي وجعلته في قلب اهتمامات الإنسان اليوميّة. ورغم تشابه الأصوات، إلاّ أنّ المسارات الغنائية تظلّ تختلف، بل إنّها تزداد هوّة واتّساعاً، كلّما يصدر سعد لمجرد أغنية جديدة. والسبب هو أنّ المُنطلقات الفنيّة تختلف. ثمّ إنّ الزمن والسياق الذي ننتمي إليه اليوم فكّك مفهوم الذوق الفنيّ وجعله خاضعاً لمعايير الطلب والمُتابعة ومُتطلّبات الواقع اليوميّ. هذا فضلاً عن تقدّم أمزجة الناس ونزوعهم إلى مُعجم أغان أكثر احتكاكاً بأجسدهم داخل البيت والشارع والمقهى والجامعة.

والدليل على هذا التحوّل للذوق الغنائيّ، هو الأغنية الجديدة “ضيعتي وقتي”(2021) الصادرة قبل أيام للبشير عبدو، حيث لا يزال الصوت نفسه، مع بعض تغيّرات طفيفة يشعر بها المُستمع والمُتتبّع لريبرتواره الغنائي. وعلى الرغم من جماليّات التأليف وقوّة الأداء، إلاّ أنّ البشير عبدو، يبدو وكأنّه أسير زمن جميل انتهى، مقابل جرح لم يندمل بعد. صحيح أنّ لأغانيه داخل المغرب عشّاقاً، إلاّ أنّ تلقّيها بالمقارنة مع سنوات خلبت بدا هزيلاً. وفي الوقت الذي يلجأ فيه البشير عبدو إلى عيون الطرب العربي وإلى المُذهل والمُلتزم والرومانسي الخلاّق في صناعة الأغنية، يعمد سعد لمجرد إلى الهجين المُستهلك من انحطاط القول، تاركاً مجد والده في فراغ، مُحقّقاً شهرة واسعة عبر أغان ترفيهيّة خاضعة لسُلطة الموسيقى الإلكترونية وجبروتها في نفيّ مُضمر لوجود الفنّان.

يعيب الكثير من المغاربة على سعد لمجرد، أنّه لم ينزع صوب مشروع والده الغنائي لأنّه كان سيكون في نظرهم رافعة قويّة لهذا النمط الغنائي، وذلك من خلال مزج المُعتّق من الكلام مع أنماط موسيقيّة حديثة وقوالب معاصرة أكثر تشعّباً وفتنة بالنسبة للمُستمع اليوم. لكنّ لو اشتغل سعد لمجرد على مشروع والده، هل كان سيُحقّق ما وصلت إليه أغانيه اليوم؟ قطعاً لا. إنّ العالم الغنائي قد تغيّر وما كان جيّداً البارحة أضحى اليوم مُجرّد فولكلور غنائي نوستالجيّ تحنّ إليه الأجساد لحظة تفاقم البشاعة والابتذال. حقّق سعد لمجرد، ما لم يكُن يحلم به والده. ففي سنوات قليلة استطاع لمجرد، أنْ يغدو تقريباً أشهر فنّان مغربي. فحجم نجاحات حقّقها هذا الشاب، يجعله في طليعة الفنّانين المَغاربة الجدد، الذين استفادوا من الموسيقى الإلكترونية وجعلوها نبراساً يُضيء لهم طريق الشهرة والنجومية. وإنْ كانت أغانيه هشّة على مستوى التأليف ومُصطنعة ومُتصدّعة في مُنطلقاتها الفنيّة والجماليّة، إلاّ أنّها تبقى ترفيهية بامتياز، وتحصد فيديو كليباته نسب مُشاهدات عالية على وسائل التواصل، بالنظر إلى أسماء من جيله أو أخرى لها باع طويل في فنّ الغناء. 

لقد تجاوز لمجرد جميع مقاييس حكمت الأغنية المغربيّة من جانب التلقّي بين محليّة وعالمية، حيث أضحى الفنّان يتطلّع إلى عتبة المليار مُشاهدة. وكلّما صدرت له أغنية ازداد المعجبون ودقّوا ناقوس الفرح والاحتفال بها. حيث يتطلّع دوماً إلى التجريب الموسيقيّ والاشتغال مع وجوه غنائية مغربيّة لها نصيبها من الشهرة مثل: الفناير وزهير بهاوي وكاليما وري دوان وصابر رباعي. إذْ إنّ كل أغنية لا تشبه الأخرى على المستوى الموسيقى والتوزيع، لكنّها تشترك في نفس التأليف القائم على التنميط الفنيّ وضحالة الكلمة وارتباكها.