الأسلحة السينمائية الفاسدة (2)

في نهاية أحداثه، قدّم فيلم (فتاة من إسرائيل) معركة حامية الوطيس تدور بين الأب المصري محمود ياسين والأب الإسرائيلي فاروق الفيشاوي، تُستخدم فيها اللكمات والكلمات النارية و”البونيّات والشلاليت” للصراع على الابن المصري خالد النبوي الذي تجذبه الابنة الإسرائيلية التي تظهر أغلب الوقت شبه عارية، والتي يقع الابن المصري في غرامها فيهجر أسرته التي سافر معها في رحلة إلى سيناء ويذهب معها إلى إسرائيل ناسياً ثأر أخيه الشهيد في حرب أكتوبر، هاجراً أمه “الصالحة الصابرة” رغدة وخطيبته المحتشمة في لبسها حنان ترك، وبينما يتبادل الأبوان الضربات “طَلية بطَلية” في مشهد “الذروة” الذي يشير إلى سجاليّة الصراع بين مصر وإسرائيل، يفيق الابن الهائج من غفلته ويتذكر وهو على متن المركب المتجهة الى اسرائيل كلمات أمه له ووجه أخيه الشهيد فيقفز من على المركب تاركاً خلفه إغراءات البنت الاسرائيلية التي نسي كل شيء من أجلها وعائداً الى مصر التي كان قد قرر تركها منذ دقائق من أجل خاطر البنت الإسرائيلية، والتي لعبت دورها فتاة مصرية اسمها داليا حسين، نشرت الصحف أنباء مشاكل ثارت بينها وبين أسرتها بسبب ظهورها بالمايوه طيلة أحداث الفيلم، ثم نشرت الصحف أنها اعتزلت وارتدت الحجاب قبل أن تعود للتمثيل لفترة قصيرة وتختفي عن الساحة الفنية.

وبرغم أن القصة التي قدمها الفيلم ممكنة الحدوث نظرياً إلا أنها قدمت بشكل إنشائي خطابي، دون أن تقدم تفسيرات درامية لتصرفات الشخصيات، وحاول صناع الفيلم التغطية على هذا الضعف الدرامي باللجوء إلى الخطابة والمبالغات، وهو ما جعل عدداً من الكتاب المعروفين بعدائهم لإسرائيل ومعارضتهم للتطبيع معها، يهاجمون الفيلم بشدة، وكان من أبرز هؤلاء الناقد السينمائي البارز سمير فريد الذي قال لي حين سألته عن “الأسلحة الفاسدة في صراعنا السينمائي مع إسرائيل” وكان ذلك عنوان تحقيق نشرته في مجلة (المصور) عام 1999، إنه يعتبر فيلم (فتاة من إسرائيل) مثالاً على هذه الأسلحة الفاسدة في معركتنا مع إسرائيل، لأنه في رأيه يقدم لإسرائيل الاساس الذي تقوم عليه الدعاية الصهيونية وهو أن العرب يعادون اليهود كيهود، فبطلة الفيلم المصرية رغدة تصف الفتاة اليهودية التي يريد ابنها أن يتزوجها بأنها ” نجسة” ، كما يطرح الفيلم وجود مؤامرة يهودية للسيطرة على مصر باستخدام المخدرات والفتيات العاريات طبقا لبروتوكولات حكماء صهيون التي يشكك الكثير من دارسي الصهيونية في صحتها وهو ما أشار إليه الباحث البارز الدكتور عبد الوهاب المسيري في موسوعته الشهيرة عن (اليهود واليهودية والصهيونية) موضحاً الخطورة التي يحدثها الاستناد إلى خرافات كهذه في الصراع العادل مع إسرائيل لنصرة القضية الفلسطينية، ووصل سمير فريد في هجومه على الفيلم الى حد القول بأن اليمين الاسرائيلي سيستخدم الفيلم في دعايته العالمية المرافقة للانتخابات التي كانت ستجرى بعد فترة من عرضه “لإثبات الدعاوى الاسرائيلية ضد العرب بأنهم يتخذون موقفا عنصريا من اليهود يدعو لاستئصالهم”.

مخرج الفيلم قال لي يومها مدافعاً عن الانتقادات التي وجهت إلى فيلمه: “للسينما المصرية الشرف ولي الشرف أنني أقدم قضية الصراع مع اسرائيل لأول مرة في السينما المصرية لو استثنينا أفلام حرب أكتوبر”

لكن ما تخوف منه سمير فريد لم يحدث للأمانة لأن الفيلم لم يبق طويلاً في دار العرض ولم يحقق أي نجاح يلفت انتباه اليمين المصري ناهيك عن اليمين الإسرائيلي، بعكس ما حدث بعدها بسنوات قليلة حين أثيرت معركة حول استخدام الممثل المسرحي محمد صبحي لبروتوكولات حكماء صهيون المزعومة في البنيان الدرامي لمسلسله المثير للجدل (فارس بلا جواد)، وهو ما أثار ضد المسلسل وصناعه حملة عنيفة من الهجوم الإسرائيلي والأمريكي والأوروبي، رافقها بغض النظر عن التقييم الفني للمسلسل متواضع المستوى وقائع لم تحدث منذ أيام المندوب السامي البريطاني، مثل أن يتدخل السفير الأمريكي للمطالبة بمنع مسلسل تلفزيوني أو حذف بعض أجزائه، وإرسال رسائل تهديد الى التلفزيون المصري وقناة دريم الخاصة التي أنتجته تطالب بحذف كل ماله علاقة بالبروتوكولات والحاخامات اليهود ومعاداة السامية من داخل المسلسل، وهي الحملة التي نجحت في جعل التلفزيون المصري وقناة دريم تحذفان أجزاء بسيطة من المسلسل استجابة للضغوط الأمريكية بالإضافة الى إذاعة التلفزيون المصري للوحة قبل عرض المسلسل يؤكد فيها أن البروتوكولات التي يتحدث عنها المسلسل مشكوك في أمرها، ويقول وزير الإعلام المصري فيما بعد إن هذه اللوحة جاءت استجابة لآراء المؤرخين المصريين وليس استجابة لضغوط اسرائيلية أو أمريكية.

مع الأسف وكالعادة، أفسدت الضغوط الدولية المدفوعة برغبة في محاباة إسرائيل فرصة فتح نقاش جاد حول الأفكار الخطيرة التي قدمها مسلسل (فارس بلا جواد) والتي يتردد صداها في العديد من الكتابات الفنية والأدبية والسياسية، والتي تخلط بين معاداة الصهيونية والعداء لليهود، وتستسهل الحديث عن وجود مؤامرة يهودية عالمية يشترك فيها الذين يحذرون من ترديد خرافات غير موثقة تأتي بعكس نتيجتها، ولم يكن من الغريب أن يستغل صانع المسلسل الفنان محمد صبحي هذه الضغوط في الرد على الذين انتقدوا المستوى الفني الضعيف للمسلسل واتهموه بإضاعة فرصة تقديم عمل فني متميز عن حياة حافلة كالتي عاشها البطل الحقيقي لأحداث المسلسل حافظ نجيب، خصوصاً أن محمد صبحي لم يستعن بكاتب سيناريو محترف بل قرر أن يقوم ببطولة المسلسل وتأليفه وتقديم ما أسماه على تيترات المسلسل “الرؤية التلفزيونية” وهو تعبير “مهذب” عن اشتراكه في إخراج المسلسل مع مخرجه المفضل أحمد بدر الدين، ليقوم محمد صبحي بمهاجمة منتقديه ويقول إنهم “قلة من المثقفين لا علاقة لهم بجمهوره العريض”، معتبراً أن الانتقادات الموجهة للمسلسل تخدم إسرائيل قائلاً بتهكم إن عمله القادم سيكون بعنوان “أنا باحب إسرائيل” لكي يرضيهم، متناسياً أن جميع من انتقدوا مسلسله بقوة كانوا من المعروفين بعدائهم لإسرائيل ومعارضتهم للتطبيع والهيمنة الأمريكية، أما المؤيدون للتطبيع فقد تجاهلوا المسلسل ربما لأنهم رأوا أن رؤيته الساذجة تخدم وجهة نظرهم التي تسعى لتصوير معارضي إسرائيل بوصفهم مجموعة من مرددي الأفكار الشعبوية الحمقاء والمليئة بالمغالطات والأخطاء.

لم يكن غريباً أن يتطابق ما قاله محمد صبحي مع ما قاله قبله بثلاث سنوات صناع فيلم (فتاة من إسرائيل) الذين اعتبروا في كافة تصريحاتهم الإعلامية أن منتقديهم من المثقفين البعيدين عن الجمهور، مع أن الجمهور نفسه ابتعد عن قاعات السينما التي عرضت الفيلم، وبدلاً من أن يمارسوا نقداً ذاتياً يحاولون فيه فهم انصراف الجمهور عن الفيلم وهجوم النقاد عليه، وضعوا كثيراً من مهاجمي الفيلم في خانة الولاء لإسرائيل رغم أنوفهم، ليصبح مطلوباً من هؤلاء أن يدافعوا عن انتماءاتهم الوطنية لمجرد أنهم عبروا عن رأيهم في عمل فني.

إيهاب راضي مخرج الفيلم قال لي يومها مدافعاً عن الانتقادات التي وجهت إلى فيلمه: “للسينما المصرية الشرف ولي الشرف أنني أقدم قضية الصراع مع اسرائيل لأول مرة في السينما المصرية لو استثنينا أفلام حرب أكتوبر”، ورداً على الخلط الذي قدمه الفيلم بين اسرائيل وبين اليهود قال: “كلمة يهود وردت على لسان الأم المصرية، أما الأب الذي كان أستاذ تاريخ فقد تكلم عن اسرائيل، انزل الى أي حي شعبي واسأل أي أم مش هتقول لك اسرائيل هتقول لك اليهود، وانا باعمل الفيلم كنت عارف أن الكلمة بتاعة يهودية نجسة ستثير جدلا كبيرا لكن في السينما لازم كلام الشخصية ينبع من ثقافتها، خذ كلمة نجسة في السياق حيث أنها كانت تعليقا على القضية بشكلها الخاص جدا، ابن يتزوج من قاتلي أخيه، وأنا في فيلم كهذا أتوجه للجمهور العربي ولا يهمني الغرب، لا أحتاج لأن أصل للمثقفين بل محتاج لأن أصل للشعب لأقول له ما أريده، لازم يكون في مباشرة عشان توصل للناس وروحوا اسمعوا التصفيق في دور العرض، عُمر المباشرة ما كانت غلط، لأن في اتجاهات مختلفة فنيا، خاصة عندما نريد أن نصل الى جيل صغير لم يدرك حقيقة الأمور، لدي صديق سأله ابنه الشاب : بابا ممكن أوصل ايلات مع اصحابي وأرجع، وذهل الأب، شوف في كام ألف شاب مصري معرضين لهذه المأساة، أنا اخترت أن أقدم فيلمي بشكل مباشر وهذه أول خطوة ومن يأتي بعدي عليه أن يطورها”، لكن إيهاب راضي تناسى الآراء النقدية التي تحدثت عن خطورة عدم تقديم رؤية متوازنة تقوم بالرد على التعبيرات التي تطرحها الشخصية الشعبية، وعن التأثير السلبي للمباشرة التي قد تحقق إشباعاً لحظياً للمشاهد المنفعل، لكنها تمنعه من اتخاذ موقف حقيقي يخدم القضية التي يدعي الفيلم دفاعه عنها، كما أنه تناسى أن التصفيق الذي تحدث عنه كان يتم في قاعات شبه خاوية على عروشها، وأن الفيلم حين عرض في القنوات الفضائية ووجد طريقة إلى الشاشات المنزلية بعد ذلك لم تُفِده المباشرة من قريب أو من بعيد.

نكمل غداً بإذن الله.