كلام فارغ وكلام ملآن

في الذكرى السابعة لرحيل الأديب المصري الساخر الجميل، أحمد رجب، (12 سبتمبر/ أيلول) تطفو على سطح ذاكرتي المقولة الهزلية التي دوّنها في عتبة إحدى مجموعاته القصصية: الكلام نوعان؛ كلام فارغ، وكلام مليان كلام فارغ.

إذا أردنا أن نأخذ عينةً من النوع الثاني، أي الكلام المليان كلام فارغ، تبرز أمامنا، في الحال، عبارة “لا يصحّ إلا الصحيح”، فهي تبدو ذكية، وعميقة، وتُغري باستخدامها في سياقِ كتابةٍ، أو حوار، أو حديث مسترسل… ولكنها، في الواقع، ملأى بالمعاني الفارغة؛ إذ ما هو هذا “الصحيح” الذي سيصحُّ في خاتمة المطاف؟ وهل هناك مجموعة كبيرة من البشر تقرّ بأن هذا الذي حصل صحيح، ولا يوجد مَن يعارضه، أو ينقضُه، أو يشكّك فيه؟

عبارة أخرى نتداولها من دون أن نتمعن بمحتواها “أمة العرب لا تقرأ”. قبل نحو ثلاثين سنة، حضر إلى مدينة إدلب كاتب مشهور، له بضعة كتب مطبوعة، وبرنامج أسبوعي في التلفزيون، ليلقي محاضرةً أذكر أن كلمة “ديمقراطية” موجودة في عنوانها. أوليتُ، مع أصدقائي المهتمين بالشؤون الثقافية والعامة، الرجلَ ما يستحق من اهتمام، وذهبنا إلى المركز الثقافي لنستمع إليه، وهناك فوجئنا بأن حجم الجمهور أكبر من المعتاد، فعزونا ذلك إلى شهرته التلفزيونية. المهم، تربّع الرجل على المنصة، وراح يتحدّث عن الديمقراطية باتزان، وبطريقة عرض موفقة، ومن ضمن ما قال إن تطبيق الديمقراطية في بلادنا العربية صعب، لأننا أمةٌ لا تقرأ. وروى لنا، من خارج أوراقه المكتوبة، حكاية جعلتنا نندهش، ونتبادل النظرات بوجوم. ملخصُها أن وزير دفاع إسرائيل، موشيه دايان، صرّح للصحافة، قبل أيام من بدء حرب 1967، بأن إسرائيل ستبدأ الهجوم على كل الجبهات في تمام الساعة كذا من يوم 5 يونيو/ حزيران. وعندما سئل دايان، بعد الحرب: كيفَ تصرّح بموعد الحرب، وهو سر عسكري، أفلا تخشى أن يعلم العرب بخطتك فيباغتوك ويهزموا جيشك؟ فقال بثقة: العرب لا يقرؤون.

لا أنكر أنني أحببت هذه الحكاية، واقتنعت بها زمناً طويلاً، ورويتها لأهلي وأصدقائي، محملاً أسباب هزيمتنا لجهلنا، فطربوا لها واندهشوا… ولكننا الآن، بعدما قرأنا الكثير، نكاية بدايان، عرفنا أن أسباب الهزيمة لا تعدّ ولا تحصى، منها: تسلط العسكر على الشعوب، الحكم الفردي الارتجالي، الخطابة والشعارات الديماغوجية، أوهام الزعامة، غياب الدساتير والقوانين الحقيقية التي تضمن تداول السلطة سلمياً في هذه البلاد البائسة… وإذا دخلنا في التفاصيل نجد أن قائد الأمة العربية (!)، جمال عبد الناصر، كان قد سلم قيادةَ الجيش (الذي سيرمي إسرائيل في البحر) لضابط معلوماتُه العسكرية ضحلة، هو عبد الحكيم عامر. ومثلما ارتجل هذا القائدُ في سنة 1956 تأميم قناة السويس فاستجلب العدوان الثلاثي، ارتأى في 1967 أن يهيئ أسباب الحرب، فمنع إسرائيل من الإبحار في مضيق تيران، (كان هو مَن سمح لها بالإبحار)، وطلب من القوات الدولية التي تفصل بين جيش بلاده وجيش إسرائيل المغادرة، ولم يصغِ لتحذيرات السوفييت بخصوص الحشود الإسرائيلية، فخسرنا الحرب بجدارة.

لنفرض جدلاً أن العرب، بشكل عام، لا يقرؤون، ألم يكن حرياً بعبد الناصر، ونور الدين الأتاسي، وعبد الحكيم عامر، وحافظ الأسد، وصلاح جديد، وهيئات الأركان، وقيادات التوجيه المعنوي في الدولتين، أن يقرأوا تصريحات دايان، وكلهم يعرفون أن الحرب على الأبواب؟ ثم، لو قرأنا – نحن العرب الدراويش المساكين – تلك التصريحات، ماذا يمكن أن نفعل بها؟

لم يكن موشي دايان مثقفاً ولا أديباً ولا فيلسوفاً، لكنّ إعلام الهزيمة الدائمة الذي أسّس له أحمد سعيد، وتبنّاه الإعلام البعثي، نقل عنه أقوالاً مأثورة تنتمي إلى جنس الكلام الفارغ، كقوله: لا أخاف من العرب مهما جمعوا من السلاح والعتاد، ولكني سأرتجف منهم إذا رأيتهم يصطفّون بالنظام لركوب الحافلة.