تونس: وساطات عائلية للحدّ من الطلاق

تسعى تونس لإعادة دور الوساطة العائليّة خلال فض النزاعات الأسرية لحماية النسيج الاجتماعي من التفكك، بعد تسجيل ارتفاع في قضايا تتعلق بخصومات داخل أفراد الأسر الضيقة أو الممتدة. وتدرس وزارة المرأة والأسرة وكبار السن صياغة مشروع قانون الوساطة العائلية للحد من التفكك الأسري، يتضمن آليات جديدة لفض النزاعات بين مكونات الأسرة من خلال اعتماد مبدأ الحوار بعيداً عن المحاكم والدوائر القضائية. 
ويأتي التفكير في استعادة دور الوساطة الأسرية في ظلّ الارتفاع المتواصل في نسب الطلاق في البلاد، وتداعيات التفكّك الأسري السلبية على المجتمع، بهدف تنمية ثقافة الحوار داخل العائلات. والوساطة العائلية من العادات التونسية القديمة، وكان يقودها وجهاء الأسر أو الأكبر سناً، وتلعب دوراً كبيراً في فض الخلافات، سواء بين الأزواج أو الأخوة أو حتى باقي أعضاء الأسرة الممتدة كأبناء العموم وغيرهم.
في هذا السياق، تقول الباحثة في علم الاجتماع، صابرين الجلاصي، إنّ العودة إلى اعتماد الوساطة الأسرية مهمة جداً لترميم العلاقات وإعادة ترتيبها بعيداً عن دوائر القضاء التي تتسبب أحياناً في توتير الأجواء وشحنها. وتؤكد في حديثها لـ “العربي الجديد” أن “الأعراف الاجتماعية التقليدية تلعب دور الوكالة في التوفيق بين الأطراف المتخاصمة”، مشيرة إلى أن “القانون العرفي الذي تعتمد عليه الوساطات الأسرية كان يحل محل القانون المدني الحالي”. وترى أنّ “الوساطات الأسرية كانت تؤدي إلى نتائج جيدة بفضل السلطة الرمزية للأسرة، إلا أن هذه السلطة تلاشت بتحوّل العائلة من مجموعة ممتدة إلى نواة مستقلة تتكون من الزوجين فقط”، على حد قولها.
وتقول الجلاصي إنّ “مشروع الموفّق الأسري يجب أن يكون حلقة في سلسلة إصلاح للمؤسسة العائلية برمتها، بما يساعد على إزاحة كل الأسباب القائمة التي تؤدي إلى الطلاق، ولا سيما منها الحالات الناتجة عن العنف أو مشاكل نفسية أو الإدمان”.

قديماً، كانت الوساطة العائلية تسمى محلياً “الجبهية”. ويتولى الوسيط الموثوق به دور القاضي في فض النزاع بين الطرفين المتخاصمين بعد مساعي لتقريب وجهات النظر بينهما. وغالباً ما تكون قراراته ملزمة للطرفين احتراماً للمجهود الذي بذله في الصلح ووجاهته داخل أسرته أو جهته.
إلا أن دور الوساطة الأسرية تراجع بشكل كبير خلال العقود الأخيرة، ليحلّ القضاء محله، الأمر الذي يؤدي أحياناً إلى انقطاع الصلة نهائياً بين المتخاصمين أو تأجيج الأحقاد بينهما، وتؤدي أحياناً إلى جرائم تصل إلى حد القتل. وفي بداية عام 2020، تكشف إحصائيات وزارة العدل في تونس عن تسجيل 46 حالة طلاق يومياً و13 ألف قضية طلاق سنوياً. كما تشير البيانات إلى ارتفاع عدد حالات الطلاق مقارنة بالعام 2017، إذ كانت المحاكم لا تبت سوى في 41 حالة طلاق يومياً.
وأوضحت أرقام وزارة العدل أن الزوج أكثر طلباً للطلاق من الزوجة بـ 48 ألفاً و579 قضية خلال خمس سنوات، في حين بلغ عدد القضايا بطلب من الزوجة خلال المدة نفسها 32 ألفاً و543 قضية.
ومن أجل الدفاع عن حقوق الأطفال في العيش في ظل مناخ أسري سليم، أنشأت الاختصاصية النفسية كريمة الركيمي جمعية “نحب نعيش مع أمي وبابا”، التي تدافع عن حق الأطفال في العيش مع أبويهما والحد من التفكك الأسري الناتج عن الطلاق والفراق العائلي.

وتقول الركيمي لـ “العربي الجديد” إنّ “الوساطة لحل الخلافات الزوجية قبل التوجه إلى المحكمة تقوم على محاولة تقريب وجهات النظر بين الأزواج. ففي حالات كثيرة، تكون أسباب الطلاق تافهة”. وتتبنى مقاربة عصرية في الوساطة الأسرية تعتمد أساساً على إخضاع الزوجين المتخاصمين أو اللذين ينويان الطلاق، لمتابعة نفسية بمساعدة متخصصين في علم النفس والاجتماع والقانون، تسمح بإعطاء الأزواج فرصة لإعادة النظر في قراراتهم وتقييم أوضاعهم الأسرية، مشيرة إلى أن هناك علاقات غير قابلة للترميم أو الوساطات.
في المقابل، ترفض جمعيات مدنية، ولا سيما تلك النسوية، مشروع الوساطة العائلية، معتبرة هذا المشروع نوعاً من الارتداد إلى الوراء. وتعرب عن تخوفها من اعتماد فض النزاعات بين مختلف أفراد الأسرة باعتماد الحوار والتوافق كمبدأ من قبل مؤسسات الدولة، بما قد يسمح بممارسة المزيد من الضغط النفسي على النساء على غرار الضغط الممارس من العائلة والمجتمع والوصمة الاجتماعية للنساء المطلقات. واعتبرت جمعية “أصوات نساء” أن إعداد مشروع قانون الوساطة العائلية الذي أعلنت عنه وزارة المرأة والأسرة وكبار السن مؤخراً ليس أولوية على عكس قضايا وملفات أخرى متعلقة بالمرأة كقضية العنف ضد النساء، وخصوصاً غياب مراكز الإيواء.

وأعربت الجمعية عن تمسكها بحق النساء في اللجوء إلى القضاء كمبدأ، باعتباره سلطة مستقلة تضمن إقامة العدل وسيادة القانون وحماية الحقوق والحريات، وخصوصاً بوجود إمكانية الصلح أمام قاضي الأسرة. ومشروع قانون الوساطة العائلية الذي تعمل عليه الوزارة يهدف إلى الحماية من التفكك الأسري وإرساء مؤسسة تسمح بفض النزاعات بين مختلف أفراد الأسرة، باعتماد مبدأ الحوار والتوافق وليس التوجه نحو المحاكم الذي يتوجب أن يكون استثناء. ويتضمّن مشروع القانون إنشاء مؤسسة الوساطة العائلية، التي ستسمح بفض النزاعات بين مختلف أفراد الأسرة وليس الزوجين فقط، وفي جميع المجالات.