سورية: الدور على إدلب بعد درعا

ما إن بدأ تطبيق اتفاق فُرض من الجانب الروسي بشأن فك الحصار عن أحياء درعا البلد بمدينة درعا جنوب سورية، أنهى حالة التوتر والتصعيد بين النظام وأهل المحافظة، حتى كثّفت قوات النظام والطيران الروسي من عمليات القصف على الشمال الغربي من سورية، في مؤشر واضح على نيّة النظام وحلفائه التعامل عسكرياً مع الملف الأكثر تعقيداً في البلاد، وهو ملف محافظة إدلب. وقتل وأصيب خلال اليومين الأخيرين العشرات من المدنيين في بلدات ريف إدلب الجنوبي بقصف من الطيران الروسي الذي عاود استهداف المدنيين في هذا الريف الذي تشير الوقائع إلى أنه ربما يكون ميدان صراع خلال العام الحالي.

وأوضح الناشط الإعلامي، مصطفى المحمد، في حديث مع “العربي الجديد”، أن قوات النظام قصفت أمس الأربعاء بعدد من قذائف “كراسنبول” الموجهة بالليزر، نقطة طبية في بلدة مرعيان في جبل الزاوية جنوب إدلب، ما أدى لمقتل امرأة وإصابة طفلها. ولفت إلى أن القصف دمّر النقطة الطبية، مشيراً إلى أنها كانت الوحيدة التي تقدم خدمات طبية لمنطقة جبل الزاوية التي تضم أكثر من بلدة وقرية. من جهته، أكد الدفاع المدني السوري، لـ”العربي الجديد”، ارتفاع حصيلة القتلى والمصابين في مدينة إدلب جراء القصف من قبل قوات النظام على منازل ومطاعم وصالة أفراح في المدينة مساء أول من أمس الثلاثاء، إلى 4 أشخاص بينهم أستاذ جامعي، فضلاً عن إصابة 16 آخرين جلهم أطفال ونساء. في المقابل، قصفت فصائل المعارضة السورية المسلحة صباح أمس، مواقع لقوات النظام في معسكر جورين ومدينة معرة النعمان وناحية سلمى في شمال غربي البلاد. من جهتها، شنت المقاتلات الروسية، بحسب “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، أمس 4 غارات جوية على محيط مدينة معرة مصرين بريف إدلب، من دون ورود معلومات فورية عن حجم الخسائر.

قوات النظام تدخل درعا البلد وترفع رايتها فوق مركز التسوية

ويأتي التصعيد من قبل النظام والجانب الروسي على الشمال الغربي من سورية في خضم تطبيق اتفاق رسمه الجانب الروسي أنهى حالة التوتر والتصعيد في منطقة درعا البلد جنوب سورية. وفي السياق، ذكر الناشط الإعلامي أحمد المسالمة، لـ”العربي الجديد”، أن قوات النظام وأجهزته الأمنية بدأت أمس الأربعاء تفتيش المنازل في درعا البلد، وتدقيق البطاقات الشخصية للمواطنين لا سيما في حي الأربعين للتأكد من عدم وجود أشخاص من خارج المنطقة، وفق الاتفاق الذي أبرم بين اللجنة المركزية الممثلة للأهالي والنظام السوري برعاية روسية. من جانبها، ذكرت وكالة “نبأ” المحلية، أن عملية التفتيش تجري بحضور وجهاء من درعا البلد، مشيرة إلى أن عملية التدقيق ستشمل حيي المخيم وطريق السد، ومن ثم يبدأ انتشار قوات أمنية وأخرى تابعة لقوات النظام في تسع نقاط في المنطقة بموجب الاتفاق الأخير. ولاحقاً، تحدث “تجمع أحرار حوران” المعارض، عن أن قوات النظام شرعت ظهر أمس بالانتشار في النقاط في درعا البلد، في وقت رفعت فيه علمها فوق مركز التسوية في المنطقة بوجود الشرطة العسكرية الروسية. وهو ما أشارت إليه كذلك وكالة “سانا” التابعة للنظام. ووفق الاتفاق الأخير، على النظام السوري سحب الوحدات العسكرية والمليشيات التي تحاصر منطقة درعا البلد، لذا من المرجح نقل هذه القوات إلى الشمال الغربي من سورية، استعداداً ربما لعمل عسكري في حال سمحت توازنات إقليمية بذلك.

ولا تزال محافظة إدلب محكومة بتفاهمات تركية روسية، وفق مسار أستانة التفاوضي الذي يضم إيران كذلك، ووفق تفاهمات ثنائية ولا سيما اتفاق وقف إطلاق النار الذي أبرم في مارس/آذار من العام الفائت في موسكو بين الرئيسين رجب طيب أردوغان وفلاديمير بوتين. ولكن هذه التفاهمات لم تنفذ حتى اللحظة، وخاصة مسألة استعادة الحركة التجارية على الطرق الدولية ولا سيما طريق حلب اللاذقية “أم 4″، وهو ما يعتبر ذريعة جاهزة للجانب الروسي لتجاوز تفاهماته مع الجانب التركي. كما يطمح النظام بعد سيطرته على الجنوب السوري، لاستعادة حركة الترانزيت من تركيا إلى الأردن والخليج العربي عبر الطريق الدولي الآتي من شمال غربي سورية، وهو ما يتطلب استعادة السيطرة على كامل محافظة إدلب.

واتسع نطاق الخروقات لاتفاق وقف إطلاق النار من قبل النظام والجانب الروسي في عموم محافظة إدلب خلال الشهر الفائت والأسبوع الأول من سبتمبر/أيلول الحالي. ووفق مدير فريق “منسقو الاستجابة” في شمال غربي سورية، محمد الحلاج، تم تسجيل 104 خروقات حتى أمس الأربعاء خلال الشهر الحالي، أدت إلى مقتل 7 مدنيين وإصابة العشرات. وأوضح الحلاج في حديث لـ”العربي الجديد”، أن عدد الخروقات خلال الشهر الماضي بلغ 711 خرقاً، ما أدى إلى مقتل 23 مدنياً بينهم 16 طفلاً و3 نساء. وأشار إلى أن الطيران الروسي وقوات النظام تستهدف مرافق حيوية ومدارس ومخيمات، مشيراً إلى أن النقطة الطبية التي استهدفت أمس في بلدة مرعيان، كانت تقدم أبسط الخدمات لسكان قرى وبلدات جبل الزاوية في ريف إدلب الجنوبي. وأوضح الحلاج أن منطقة جبل الزاوية تضم مع مدينة أريحا القريبة منها 241 ألف مدني، مبيناً أن هناك 86 ألف مدني في أريحا وحدها. ولفت إلى أن الشمال الغربي من سورية يضم اليوم نحو 4 ملايين و300 ألف مدني.

تم تسجيل 104 خروقات في إدلب خلال شهر سبتمبر الحالي

من جانبها، قالت صحيفة “الوطن” التابعة للنظام، أمس، إن القصف الجوي الروسي الذي طاول فصائل سورية معارضة تابعة للجيش التركي في شمال غربي سورية “دليل على أن موسكو في أشد درجات الاستياء من النظام التركي لإخلاله لفترة طويلة بتنفيذ الاتفاقات الثنائية الخاصة بالمنطقة”. وأشارت إلى “وجود نقاط خلاف عديدة وعميقة بين موسكو وأنقرة، كما في ملفات ليبيا وأذربيجان-أرمينيا وأوكرانيا وأفغانستان”، مضيفةً “إلا أن الخلاف الأبرز يكمن في سورية، وفي طول وعرض المناطق التي يحتلها النظام التركي، ولا سيما في إدلب، مع تأخر فتح الطريق الدولي حلب اللاذقية، الذي يمر فيها، لأكثر من 18 شهراً”. وتابعت الصحيفة: “قصف سلاح الجو الروسي أهدافاً مدروسة بعناية وبشكل متتال في منطقة خفض التصعيد بإدلب ومنطقتي غصن الزيتون بعفرين ودرع الفرات شمال شرق حلب”، معتبرةً أن هذا القصف “رسائل للنظام في أنقرة، الذي يبدو أنه لم يتلقفها بآذان صاغية، وظل مصراً على تجاهلها”.

من جانبه، اتفق القيادي في فصائل المعارضة في شمال غربي سورية، العقيد مصطفى البكور، مع تحليلات تشير إلى أن محافظة إدلب مقبلة على تصعيد عسكري من قبل النظام وحلفائه. ولكن البكور عبر عن اعتقاده في حديث مع “العربي الجديد”، بأنه “لا يمكن للروس والنظام القيام بأي عمل عسكري على جبل الزاوية وإدلب، إلا باتفاق في إطار تفاهمات مسار أستانة، وبما أنه لا يوجد اتفاق حالياً حول إدلب، فإنني أتوقع أن يستمر التصعيد العسكري الروسي بالقصف وارتكاب المجازر بحق المدنيين كما حصل في إدلب والمخيمات قرب معرة مصرين ومرعيان وغيرها من دون أي تقدم على الأرض”. وأعرب البكور عن اعتقاده “بأن الأتراك لن يقفوا مكتوفي الأيدي في حال حاول النظام والروس التقدم على أي منطقة بدون اتفاق مسبق”. وحول إمكانية اتفاق روسي تركي يسمح لقوات النظام بالتقدم على الأرض، قال البكور: “علينا أن ننتظر الجولة المقبلة من مفاوضات أستانة لنعرف طبيعة الدور التركي في شمال غربي سورية”.

ومن المقرر عقد الجولة 17 من مسار أستانة في العاصمة الكازاخية نور سلطان، خلال العام الحالي لاستكمال البحث في ملف محافظة إدلب، حيث فشل الثلاثي الضامن لتفاهمات هذا المسار (تركيا، روسيا، إيران) في التوصل لاتفاقات جديدة في الجولة 16 والتي عقدت في يوليو/تموز الماضي، وبمشاركة المبعوث الأممي إلى سورية، غير بيدرسون.
وتشير الوقائع الميدانية إلى أن مهمة قوات النظام والجانب الروسي لن تكون سهلة في شمال غربي سورية، حيث تسيطر “هيئة تحرير الشام” (النصرة سابقاً) على المنطقة مع فصائل الجبهة الوطنية للتحرير التابعة للمعارضة السورية.