الطريق إلى المدرسة

يقول الكاتب الألماني، هاينريش بول، “لقد علمني الطريق إلى المدرسة أكثر مما علمتني المدرسة”. ويبدو أن كل من يقع على هذه المقولة يكتشف أنها تنطبق عليه. تنطبق على ذكرياته بالتأكيد، وعلى وجه الخصوص، هناك حيث كنتَ طفلاً صغيراً، وكنتَ تخطو أولى خطواتك في الحياة. وحيث ظنّ الجميع من حولك أنك لا تفهم شيئاً، وكل ما عليك أن ترتدي الزي المدرسي الذي غالباً ما كان مقلّماً بلونين، أحدهما قاتم، والآخر هو اللون الأبيض، ثم تعلّق حقيبتك خلف ظهرك، وتنطلق نحو المدرسة لتتعلم مبادئ القراءة والكتابة، من دون أن تناقش أحداً في ما تحب أو تكره، أو أنك تكتشف، منذ الأيام الأولى، لذهابك إلى المدرسة، أن عليك أن تبدو كبيراً كما يريدون، وقوياً كما يأملون، وليس عليك الشكوى، بل عليك أن تتحمّل لأنك باختصار في طريقك إلى المدرسة.

في الطريق إلى المدرسة، تعلمت أشياء كثيرة، ربما أولها وأصعبها الطريق من أطراف المدينة إلى المدرسة، ومرورك بمخيم اللاجئين، حيث الفقر والبؤس ووجع اللجوء الذي ظل حاضراً في دورات المياه المتناثرة في الشوارع والروائح الكريهة التي تنبعث من بين الأزقة بسبب ذلك، وذلك الطريق الذي كنت تقطعه كل يوم ذهاباً وإياباً كان يروي لك، باختصار، حكاية لجوء ولاجئ، ولم يكن عليك سوى أن تضع حسراتك في قلبك وتمضي.

في الطريق إلى المدرسة، اكتشفت معنى التنمّر. هذا المصطلح عرفته متأخراً جداً، بعد أن أصبحت المؤسسات الإنسانية تنادي بضرورة حماية طلاب المدارس منه. ولم أكن أعرف أنّ ما أمرّ به ليس سوى صورة من البلطجة، أو هو حقد موغل، ترك آثاره في نفسي، فمصروفي كان كبيراً بالنسبة إلى تلميذاتٍ فقيراتٍ قادمات من المخيم. وكنت أدّخره حتى يدقّ جرس المدرسة المعلن لانتهاء الدوام، فتومئ لي رفيقة طريق بأن نعرّج على محل بقالة صغير، يقع إلى جوار المدرسة، لكي نبتاع الكثير من البسكويت الطري الذي كنا نمضي الطريق كله، ونحن نهرسه تحت أسناننا، حتى نصل إلى بيوتنا، وكنا نمدّ أيدينا ببعض القطع لرفيقاتٍ صغيراتٍ يسلكن الطريق نفسه. وقد ظلّ الأمر كذلك، حتى أصبحت تظهر من بيت صغير متآكل بجوار محل البقالة فتاة طويلة بملامح صفراء وشعر منكوش، فتقطع عليّ الطريق بصفتي حاملة الكنز الشهي، وتطلب مني، بلهجة آمرة مهدّدة، أن أترك كل قطع البسكويت لها ولصغار كثر حولها، فأفعل من دون تردّد، وحين تنهال دموعي، فهي التي تسمح لي بأن أحصل على قطعتين لا أكثر، لكي أستمرّ في طريق عودتي إلى البيت، ولا أتأخر.

كم مرّ من الوقت، وأنا أعاني من كابوس ليلي، تزورني به هذه الفتاة الطويلة النحيلة، منكوشة الشعر، ذات البشرة الصفراء الشاحبة التي تُنبئ بسوء تغذيةٍ متأصل، وكم كتمت ما أعانيه، ولم أخبر به أحداً من الكبار، الكبار الذين كنت أعتقد أنهم ليسوا قادرين على حمايتي من هذه المتنمّرة لسبب بسيط، أنهم لا يسلكون الطريق نفسه الذي أسلكه كل يوم في ذهابي وإيابي من مدرستي الابتدائية.

مرّت سنوات، وانتقلتُ من المدرسة الابتدائية، وتعلّمت دروساً كثيرة، أهمها أن الكوابيس التي تزورني، وما كنت أتعرّض له من تنمّر لم يمنعا أن أكون تلميذة متفوقة، لكن المدرسة الإعدادية حملت لي قصصاً مختلفة لفتيات مراهقاتٍ بالكاد تبرز معالم أنوثتهن، وينتظرهن الفتية أمام باب المدرسة الذين تظهر شواربهم مثل خيوطٍ من النمل الصغير بالطبع.

يبدو أن طريق المدرسة يجب أن نفكّر فيه ونحدّده ونراقبه لأطفالنا. هذا نكتشفه بعد أن يمرّ العمر بذكرياتٍ ومعاناة مع بدء العام الدراسي في بلاد عربية كثيرة. ويبدو أن على المعلمين أن يمزّقوا دفاتر التحضير فعلاً، وألّا يسيروا على خطط سابقة في التعليم. عليهم أن يتركوا كل شيء للتلميذ الصغير، لكي يحدّد أين يسير به طريق العلم ومن أين يبدأ، فربما كان يبدأ فعلاً من باب البيت حتى يصل إلى المدرسة.