حين تتسيد بالحماقة

وقع شجار بين عائلتين في إحدى محافظات مصر، راح ضحيته قتيلان ومصابون عدة. وكان الخلاف حول مكان دفن متوفاة من إحدى العائلتين، إذ تمسّكت عائلتها بدفنها في المقابر الخاصة بالعائلة، ما اعتبره زوجها وعائلته إهانة لهم. وبدلاً من تسوية الأمر بالحوار، تحوّلت مراسم تشييع السيدة إلى معركة بالسلاح بين أهلها وأصهارهم.
نشب خلاف مشابه في محافظة مصرية أخرى، فبعد وفاة طفلة، وإتمام مراسم الدفن في مقابر أسرة والدها، أصرّ أهل والدتها على أن تدفن في المقابر الخاصة بهم في قرية أخرى. وقبل أن يتحوّل الموقف إلى معركة مسلحة، انصاع والد الطفلة وأسرته، واستُخرِج جثمان الطفلة من المقبرة بعد دفنه، لينتقل إلى مقابر عائلة والدتها.
وقعت الحالتان في غضون أسابيع، وحيث لا يصل إلى أضواء الإعلام سوى عدد محدود من الحوادث في ربوع مصر، فلنا أن نتخيّل عدد المشاجرات والخلافات والضحايا في مواقف مشابهة بعيدة عن الإنسانية والتدين والأخلاق. ولم ينسَ المصريون واقعة شهيرة حدثت قبل أكثر من عام، حين رفض أهالي إحدى القرى دفن طبيبةٍ في مقابر القرية، لأنّها توفيت مصابة بكورونا في أثناء عملها في العزل الطبي.
لهذه الحوادث دلالات شديدة الأهمية، بشأن التحولات التي أكلت من جسد المجتمع المصري في العقود الأخيرة. وهي حزمة تحوّلات متوازية ومتقاطعة، تتفاعل معاً وتنعكس في ظواهر وسلوكيات أقل ما توصف به أنها استثناء من السلوك البشري المعتاد. الملمح الأبرز في تلك التحولات، تراجع هيبة “الموت” لدى المصريين، فقد صارت للعصبية العائلية والجهوية أولوية قصوى في منظومة القيم الحاكمة للمجتمع، على ما عداها من قيم ومبادئ، بما فيها حرمة الموت. وعلى العكس تماماً، لم تعد للحياة قدسيتها المعهودة، فصار من السهل إنهاء حياة أي شخصٍ، فقط لاختلافه في الرأي.
وبين هذه وتلك، تراجعت مكانة القيم الأسرية والتكوينات الاجتماعية الطبيعية كهياكل منظّمة وأطر للعلاقات بين أفراد المجتمع. ولا يقتصر هذا التدهور على الانحياز إلى العصبية القبلية والعائلية أو الجهوية، بل امتدّ أيضاً إلى الانغلاق على دوائر انتماء ضيقة، مثل العاملين في مجال واحد، وخصوصاً السائقين وحرّاس البنايات، حيث يسارع أي منهم إلى نصرة زميله، ظالماً كان أو مظلوماً. بل تنطبق تلك الطائفية الوظيفية بشدة حتى على شاغلي الوظائف الراقية مثل القضاة، فقد أطلق قاضٍ الرصاص على مواطن بسبب خلاف بسيط على أسبقية المرور بالسيارة. وتؤكد تلك النوعية من الجرائم المستحدثة في مصر أن قدراً متزايداً من “الحماقة” بدأ يتسلّل إلى شرائح مجتمعية متفاوتة، بما يدفع إلى القلق بشدة على مستقبل الحضور الذهني والنضج العقلي والوعي العام لهذا المجتمع.
على التوازي، يساعد غياب الدولة عن المجال العام، وبصفة خاصة عن إدارة الشؤون المجتمعية اليومية، على سيادة منطق القوة بديلاً من سيادة القانون. وتكفي نظرة سريعة إلى أي موقف بسيط في شوارع المحروسة (مصر) للتأكد من غياب هيبة القانون، ليس في اللوائح والمواثيق المكتوبة، بل في عقول المصريين ومدركاتهم لأصول التعامل وقواعد استيفاء الحقوق.
لم تكن هذه التحوّلات لتحدث، من دون تحوّل مسبق في التركيبة النفسية للمصريين، وانحسار ما عرفوا به من صبر و”طول بال” مقابل انتشار التسرّع والانفعال لأسباب واهية. ما يستتبع بدوره الاندفاع نحو استخدام القوة واستسهال العنف، ليس فقط مع الخصوم، لكن أيضاً مع المقرّبين لمجرّد خلاف بسيط. والخشية أنّ ذلك التردّي في السلوك المجتمعي العام في مصر سيستتبع، على الأرجح، موجة عاتية وممتدّة من الفوضى والحماقة. ويتحوّل العنف اللفظي والسلوكي من ظاهرة استثنائية مؤقتة إلى أسلوب حياة وسمت ملازم للمجتمع.