القافلة تنبح والكلاب تسير

وجهت الكلاب الأفغانية رسالة امتنان إلى الحكومة البريطانية التي أعادت إليها الاعتبار أخيراً، عندما قرّرت هذه الحكومة إجلاء تلك الكلاب من أفغانستان، حتى قبل “المتعاونين” البشريين الذين ساعدوا الغزاة إبّان احتلالهم. وكان محور الرسالة ينصبّ على تفنيد المثل الشرقيّ “الكلاب تنبح والقافلة تسير”، فقد أبدت الكلاب عرفانها لهذه الخطوة التي جعلت من “القافلة تنبح والكلاب تسير”.

صحيحٌ أن بعض الكلاب شكّكت في نيّات المبادرة البريطانية من أساسها، وتساءلت عن مغزى هذا “التعاطف” الذي بزغ بغتةً معها، ومنها من فسّر الخطوة بأنها ضربٌ من النكاية بالشعب الأفغاني الذي قاوم الغزاة عشرين عاماً بلا كلل أو ملل، فأرادت بريطانيا من القرار أن تتوعّد هذا الشعب بالمهانة المقبلة، وبأن حياته بعد جلاء “الفاتحين” البريطانيين ستكون دون مستوى حياة الكلاب. ولذا آثرت أن تنتزع الكلاب من بين براثن الشعب. غير أن هذا التفسير وصاحبه سرعان ما جرى “عضّهما” ونهشهما من الكلاب الأخرى، استناداً إلى أنّ بريطانيا عُرفت بحدبها على الكلاب، منذ أول كلب “صهيوني” وطّنته في فلسطين إبّان انتدابها عليها مطلع القرن الماضي، فكيف يخطر في ذهنها، إذاً، مثل هذا الظن السخيف.

وزيادةً في الزهو الذي استحوذ على الكلاب الأفغانية، اقترحت في رسالة الشكر تخصيص باب عبور لها وحدها في مطار كابول، وأن تعلوه لافتة تقول: “معبر خاص بالكلاب… ممنوع دخول البشر”. وتفاقمت دهشتها عندما عرفت أن الحكومة البريطانية سرّها الاقتراح، واستجابت له فوراً. وبالفعل، خُصِّص الباب الرئيسي في المطار للكلاب، تحت طائلة العقوبات الصارمة التي تصل إلى حدّ القتل لأيّ “بشريّ” يجازف بالعبور منه.

على الجانب الآخر من مطار كابول، شوهد “المتعاونون” وهم يقفون في الطوابير الطويلة، تتنازعهم الحيرة من الخطوة البريطانية، وكانت تساورهم الغيرة من “حظّ” الكلاب، حدّ أنهم ارتأوا هم أيضاً أن يبعثوا رسالة “عرض حال” تتضمّن، في ختامها، مطالب شعروا بأنها حقٌّ لهم ما داموا قد ساعدوا المحتل في تثبيت احتلاله، وكانوا عوناً له على أبناء جلدتهم، بل إن بعضهم طالب بـ”المساواة” مع الكلاب المحظوظة، وبتسفيرهم مباشرة إلى لندن، من دون حشرهم في دول “الترانزيت”، وإخضاعهم لجولات من التحقيق للتثبّت من “ولائهم” للتاج البريطاني، بل منهم من أبدى استعداده للنباح وتركيب “ذيل” إن كان من شأن ذلك أن يسهّل قبولهم في بلاد العيون الزرق والشعور الشقراء. غير أن الإجابة جاءتهم صادمة من الحكومة البريطانية التي رفضت الطلب، بمسوّغات واضحة وصريحة، ملخصها: “أنتم لستم كلاباً نقيّة السلالة، بل أنتم مهجّنون نتيجة تزاوج غير شرعي بين البشر والكلاب. وعلينا أن نتثبّت من تحوّلكم الكامل قبل محضكم ثقتنا. وبالنسبة إلى محاكاة الكلاب في نباحها وأذنابها، فذلك أمرٌ محسوم قبلاً، وقد لمسناه إبّان إقامتنا في أرضكم، لكنّ هذا التحوّل غير كافٍ أيضاً، ونعدكم بدراسة الأمر، والأرجح أننا سنطالبكم بمزيد من التحوّلات لتثبتوا حسن نياتكم”.

انتهت الرسالتان، غير أن ثمّة رسالة ثالثة قديمة مكتوبة بالحبر السرّي، دُوِّنَت في الواقع مع بدء غروب الشمس عن الإمبراطورية البريطانية، وحدها الكفيلة بتفسير اهتمام الحكومة البريطانية بحياة الكلاب، حصراً. دوّنها مطّلع حصيف على أسرار انهيار الإمبراطوريات، وتحوّلها من متبوع إلى تابع، يقول فيها إن بريطانيا “العظمى” التي فقدت عظمتها وخرجت مدحورة من مستعمراتها، ولا سيما الولايات المتحدة، أصيبت بنوباتٍ مزمنةٍ من العواء، واستطال لها ذيلٌ في مؤخّرتها، فأيقنت عندها أنها ستتحوّل إلى محض “ذنب” تابع لأميركا تقودها أنّى تشاء، وتستدعيها متى شاءت، فكانت الكلب الوفيّ والمخلص في سائر الحروب التي خاضتها واشنطن، في العراق وأفغانستان وغيرهما. والغريب أنها غدت “نقية” السلالة الكلبية تماماً، إلى حدّ باتت تتعاطف فيه مع الكلاب حيثما وجدت، ومنها الكلاب الأفغانية بالطبع، حيث قرّرت، وفق ما تناقلته وكالات أنباء أخيراً، ترحيلها من كابول إلى لندن، ومنحها الجنسية البريطانية فوراً.

غير أن ثمة أنباءً أخرى لم تُنشَر بعد، مفادها أنّ الكلاب الأفغانية عدلت عن قرارها، وفضلت البقاء في وطنها، على قاعدة: “بلادي وإن نبحت عليّ عزيزة…”.