"العائلات السياسية" وقود الانتخابات في المغرب

مع تواصل الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية والجهوية والبلدية المغربية المقررة يوم الأربعاء المقبل، طفت على سطح المشهد الانتخابي في البلاد ظاهرة “العائلات الانتخابية”، بعدما تشكّلت اللوائح الانتخابية في عدد من الدوائر من أفراد العائلة الواحدة، عوضاً عن إتاحة الفرصة لأعضاء آخرين. وفي الوقت الذي تطرح فيه الانتخابات البلدية والجهوية والتشريعية المتزامنة في المغرب تحديات عدة على الفاعلين السياسيين، أثار ترشيح بعض السياسيين في البلاد لأبنائهم وأقاربهم في القوائم الانتخابية، انتقادات واسعة، كما طرح أكثر من علامة استفهام حول مدى احترام معايير النزاهة والكفاءة والمنافسة الشريفة عوض معايير النسب والجاه والارتباط العائلي والولاءات الشخصية.

وهي ليست المرّة الأولى التي تبرز فيها على الساحة السياسية في المغرب ظاهرة “العائلات الانتخابية”، التي تدخل غمار التنافس من أجل الظفر بمقاعد الجماعات والجهات والبرلمان، إذ عرفت أول انتخابات نُظمت في المغرب عام 1963 استعانة الدولة بعائلات “الأعيان” (الوجهاء) من أجل تثبيت نفوذ الأحزاب التي خلقتها في مواجهة الأحزاب الوطنية. لاحقاً، انتقلت الظاهرة إلى الأحزاب الوطنية بدورها، بعدما رأت في العائلات الانتخابية عاملاً مساعداً على تغطية المساحة الانتخابية وتعزيز حضورها في المشهد المجتمعي.

أعلن حميد شباط وزوجته وابنه وابنته وزوجها ترشحهم

ومع دخول مرحلة العد العكسي للحسم في الانتخابات، بدا لافتاً دخول عائلات سياسية غمار التنافس من أجل الظفر بمقاعد البلديات والجهات ومجلس النواب. وأبرز هذه العائلات عائلة الأمين العام السابق لحزب “الاستقلال” حميد شباط، الذي يقود هذه المرة قائمة حزب “جبهة القوى الديمقراطية” بدائرة زواغة في فاس (وسط المغرب)، إلى جانب زوجته فاطمة طارق التي ترشحت على رأس اللائحة النسائية بالدائرة نفسها. ولم يقتصر الأمر على الأب والزوجة، وإنما تعداه إلى نجلهما نوفل شباط، الذي ظفر برئاسة لائحة “جبهة القوى الديمقراطية” للانتخابات التشريعية في دائرة برارحة بإقليم (محافظة) تازة، في وقت جاءت فيه نجلتهما ريم شباط على رأس لائحة الحزب الجهوية، يليها مباشرة زوجها ملوك العلوي لفضيلي.

عائلة ولد الرشيد، التي تعتبر من أبرز العائلات الانتخابية في الصحراء، ستكون حاضرة بقوة في الانتخابات المقبلة، إذ سيقود مولاي حمدي ولد الرشيد، عضو اللجنة التنفيذية لحزب “الاستقلال”، لائحتي الحزب في الانتخابات التشريعية والجماعية في العيون (كبرى حواضر الصحراء)، متبوعاً في المرتبة الثانية في لائحة الانتخابات الجماعية بابنه محمد ولد الرشيد. فيما تم ترشيح سيدي حمدي ولد الرشيد، ابن أخ رئيس المجلس البلدي للعيون، لقيادة لائحته للانتخابات الجهوية في جهة العيون الساقية الحمراء.

في المقابل، بدا لافتاً ترشيح قيادة حزب “الاستقلال” (أعرق الأحزاب المغربية)، 6 أفراد من عائلة رئيس بلدية مدينة بوجدور (جنوب المغرب)، والنائب عبد العزيز أبا، للتنافس في الانتخابات التشريعية والجهوية والبلدية المقبلة. وبعدما ضمن الوالد المرتبة الأولى في القائمة الانتخابية لانتخابات مجلس النواب المغربي لدائرة بوجدور، تمكنت عزيزة أبا من الظفر بقيادة اللائحة النسائية للجهة، ومحمد أبا باللائحة الجهوية لبوجدور، في حين احتل قريباه عبد العزيز أبا صدارة اللائحة لحزب “الاستقلال” في الدائرة الانتخابية 9 لبوجدور، والبشير أبا لائحة الحزب بالدائرة 15 في المدينة نفسها.

كما تشهد الانتخابات مشاركة أفراد من عائلة القيادية في حزب “الحركة الشعبية” (مشارك في الحكومة)، حليمة عسالي، التي تمكنت من الظفر بترؤس الجزء الثاني من لائحة انتخاب أعضاء مجلس جهة بني ملال خنيفرة. وتقود نجلتها زينب أمهروق لائحة البرلمان الجهوية للجهة نفسها، وزوج الأخيرة، وزير الشباب والرياضة السابق محمد أوزين، لائحة الحزب للانتخابات التشريعية بدائرة إفران (وسط المغرب). وعلى المنوال ذاته، رشح حزب “التجمع الوطني للأحرار” الساعي إلى قيادة الحكومة المقبلة، البرلماني عبد القادر قنديل وكيلاً للائحة الدائرة الانتخابية التشريعية في سيدي بنور (قرب مدينة الجديدة)، في حين تمت تزكية ابنه ياسر قنديل باللائحة ذاتها في المرتبة الثانية.

في المقابل، أثار ترشيح الحزب الاشتراكي الموحد (يساري)، لأمينته العامة نبيلة منيب على رأس اللائحة الجهوية التشريعية، وابنتها إيمان حجي وشقيقها توفيق منيب ضمن اللائحة البرلمانية للدائرة الانتخابية النواصر في الدار البيضاء، جدلاً واسعاً، اضطرت معه القيادية اليسارية إلى الخروج عن صمتها، معتبرة الانتقادات التي تطاولها بسبب ترشيحها لأفراد من عائلتها “حملة تضليلية لا غير”، وأن ترشيح شقيقها وابنتها جاء فقط “ليعزز اللائحة التي كانت تواجه مصير السقوط”. وإن ظاهرة “العائلات الانتخابية” ليست جديدة في المشهد السياسي المغربي، إذ إن هناك الكثير من العائلات التي تتوارث المقاعد السياسية منذ استقلال البلاد في عام 1956، كما أنها لا تتوقف حدودها عند أحزاب بعينها، بل تقريباً تتكرر عند كل التنظيمات الحزبية، إلا أنها تثير جدلاً مستمراً في المغرب، بالنظر إلى كلفتها وتأثيرها على المشهد السياسي والانتخابي في البلاد.

ويرى الباحث في السوسيولوجيا السياسية عبد المنعم الكزان أن ظاهرة “العائلات الانتخابية” هي “جزء لا يتجزأ من ظاهرة التدوير في الحقل السياسي المغربي، التي تشمل كذلك الترحال السياسي”، معتبراً في حديثٍ لـ”العربي الجديد”، أنه في ظل هذا الوضع لا يمكن المراهنة على تجديد النخب والدفع ببرنامج انتخابي معين أو خط سياسي يعكس المقررات والتوجهات المرجعية للأحزاب السياسية في انتخابات استثنائية وفي زمن استثنائي عنوانه الرئيسي مواجهة آثار وباء كورونا وإقرار المشروع التنموي الجديد”.
ويلفت الكزان إلى أن ظاهرة “العائلات الانتخابية” إلى جانب انخفاض منسوب الثقة نتيجة سيادة الخطاب الشعبوي وتبادل الاتهامات بالفساد المالي، تؤثر على المؤسسات المنتخبة، لأنها حتى وإن امتلكت شرعية انتخابية، فهي عملياً لا تملك شرعية أخلاقية ولا شعبية، إذ يرى جزء كبير من المجتمع أن تلك النخب هي جزء من المشكلة، وأنها لا يمكن أن تكون رافعة لتنزيل النموذج التنموي الجديد للبلاد. كما أن وجودها يفرمل توزيع منافع التنمية سواء على المستوى المجالي أو على المستوى القطاعي، ولا يسمح بتوزيع الثروة سواء المادية أو غير المادية بشكل عادل جراء هيمنتها على الحقل السياسي وتحول فائض القيمة السياسية إلى المستوى الاقتصادي، وفق قوله.

يصف المراقبون ترشيح عائلات بكاملها بأوليغارشية عائلوقراطية

من جهته، يقول أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية رشيد لزرق، في حديثٍ مع “العربي الجديد”، إن ترشيح بعض البرلمانيين في البلاد لأبنائهم وأقاربهم في القوائم الانتخابية، بدلاً من إتاحة الفرصة لأعضاء الحزب الآخرين، “يسيء إلى الاختيار الديمقراطي الدستوري”، واصفاً الأمر بـ”العبثية العائلوقراطية، التي تبدو، فوق روح القوانين، وتسير بسرعة مفرطة نحو الانحراف والمزيد من احتكار السلطة والثروة والنفوذ”.

وبرأي لزرق، فإن هناك خللاً سياسياً جراء غياب سلطة تحدّ من شطط السلطة الحزبية التي تأخذ شكل بنية سرية عقيدتها “العائلوقراطية”، التي تهدم البنى التحتية للاختيار الديمقراطي وتمنع الدولة المغربية من التقدم في سلم الديمقراطيات الصاعدة. ويؤكد أن “الأمر بات يفرض ضرورة البحث عن صيغة دستورية ديمقراطية بديلة تنقذ المسار الإصلاحي المغربي من مخالب لوبي عائِلوقراطية الصناديق”. ويضيف: “بمنطق العقل السياسي القويم، لا بد لنا من تقديم الجواب الدستوري الديمقراطي المتعلق بمساءلة البعد القيمي للاختيار الديمقراطي، وعدم السقوط في مهازل ديمقراطية الصندوق التي قد تجعل من نواب الأمة المغربية نواباً لأوليغارشية (شكل من أشكال الحكم بجعل السلطة السياسية محصورة بيد فئة صغيرة من المجتمع تتميز بالمال أو النسب أو السلطة العسكرية) العائلوقراطية، التي تضر بمصداقية المؤسسات عبر استغلال النفوذ وشراء الذمم بالمال والالتفاف على القوانين المنظمة لعمل الأحزاب السياسية”.

في المقابل، يرى قيادي في حزب “الحركة الشعبية” (مشارك في الحكومة)، طلب عدم الكشف عن هويته، أن موجة الانتقادات لترشيح قياديين لأبنائهم وأقاربهم في اللوائح الانتخابية تبدو قاسية، مضيفاً في تصريح لـ”العربي الجديد”، أن وجود العائلات الانتخابية ليس بالأمر المسيء للعمل السياسي والتجربة الديمقراطية، لافتاً إلى أنه “على المستوى العالمي نجد أسراً داخل الأحزاب، وأحياناً يتوفر أبناء زعماء وقياديي تلك الأحزاب على تجربة أكبر من غيرهم”.