باربارا برافي.. ألبوم أوّل في صورة منظر طبيعيّ

حتى أيّار/ مايو الماضي، لم تكن المغنّية الفرنسية باربارا برافي اسماً شائعاً في بلدها. مشاركتُها في مسابقة “أوروفيجن” بنسختها لهذا العام، وحصولُها على المركز الثاني فيها (وهو أفضل مركز يحقّقه متسابق فرنسي في البرنامج منذ عام 1991)، دفعاها إلى الأضواء التي عرفتها جزئياً، عام 2016، إثر مشاركتها في عرض احتضنته “الكوميديا الفرنسية” في باريس. 

نجاح المغنّية الشابّة (28 عاماً) في الأسابيع الماضية يعود، بشكل كبير، إلى أغنيتها Voilà، التي حصدت إعجاب لجان تحكيم المسابقة، وكانت موضوع العديد من المقالات في الصحافة الفرنسية، إضافة إلى نجاحها على وسائل التواصل الاجتماعي. بل إنّه جرت برمجة حفلات لها، في بلدان أوروبية وعالمية (الولايات المتّحدة، اليابان وأستراليا)، حتى صيف 2023.

قبل أيّام، أصدرت برافي ألبومها الأوّل، “الطيور لا تُسجَن” (إنتاج “يونيوفرسال فرنسا”)، الذي شكّلت أغنية Voilà واجهته وبطاقة العبور إليه. لكنْ بخلاف ما يجري عادةً، لم تكن Voilà واجهةً فائقة جميلة لحديقة خلفية عادية أو أقلّ جمالاً. ذلك أنّ أغاني الألبوم العشرة الأخرى تتميّز هي الأخرى، على اختلاف ألوانها وتنوّع مشاربها: من الترداد الذي يحاذي إلقاء قصيدة غاضبة في “الموجة” وجزئياً في “لا ريتورنل”، إلى الهدوء والطمأنينة اللذين يطبعان، على إيقاع البيانو بشكل أساسي، كلّاً من “تُشرق الشمس” و”الرجل والطير”، مروراً بعناوين أكثر تجريبيةً وخلطاً للمحلّي الغربي بالألوان الشرقية، كما هو الحال في “اقفز” وجزئياً في “المرأة”.

تسكن أغانيها مساحةً موسيقة تجمع بين الميلانكوليا والرصانة

بخلاف الحال في الأغنية في الأغنية العربية، وامتداداً لتقليد فرنسي وغربي بشكل عام، تكتب باربارا برافي كلمات أغانيها بنفسها. بل يمكن الحديث، في الأغاني، عن قصائد، لا عن كلماتٍ فحسب. ذلك أن النصوص التي تغنّيها، رغم يوميّة أغلبها ومواضيعها المباشرة، تحتفظ بموقفٍ شعريّ من الأحرف والكلمات والجمل، بما يمنح المغنّية الشابّة تميّزاً إضافياً مقارنةً بأغلب ما يُنتجه أبناء جيلها من أغانٍ قد تبدو كلماتها متعجّلة أو فاقدة للبُعد الشعريّ.

وإلى النصوص ذات المستوى العالي يُضاف أداء برافي نفسها، الذي يقطع يُريد هو الآخر أن ينتمي إلى جيلٍ آخر غير جيلها المأخوذ بمباشرة الراب وسهولته أو بسطحية الصوت والكلمات. كما في Voilà، يثبت أداء باربارا لأغاني ألبومها أننا أمام صوت بعيد عن الرتابة، يجيد طبقاته ومخارجه في العلوّ والانخفاض أو الانحناء ــ حاله كحال منظر تضاريس جميل. 

كما تُجيد المغنّية، في توزيع أغانيها وأدائها (ولا سيّما نطقها لتلك الراء الفرنسية)، تذكيرنا بعدد من أبرز نجوم الأغنية الفرنسية، ولا سيّما إديت بياف التي لم يتوقّف النقّاد الموسيقيّون الفرنسيون عن مقارنة برافي بها منذ خروجها إلى الأضواء قبل أسابيع قليلة. وما يضيف الكثير إلى صوابية هذه المقارنة، استلطاف المغنّية الشابة لمساحة اعتُقد أنها باتت مهجورة اليوم من قبل الجيل الجديد من المغنين، وهي تلك المساحة الموسيقية التي تمزج بين الميلانكوليا والرصانة، بين الشعرية اليومية والتعبير شديد الشخصية، من دون الوقوع في غنائيةٍ عفّى عليها الزمان.