العراق: انقسام متظاهري تشرين حول الانتخابات

يُقرّ ناشطون عراقيون وأعضاء في اللجان التنسيقية للتظاهرات في مدن جنوب العراق ووسطه والعاصمة بغداد، بوجود انقسام وتباين في المواقف داخل صفوفهم حيال ملف الانتخابات المقبلة، المقررة في 10 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، والعملية السياسية ككل. وهو ما يدفع بجزء غير بسيط من قادة الحراك الشعبي إلى الانزواء والابتعاد عن الظهور الإعلامي في الوقت الحالي، بينما يتوجه آخرون للاستقرار في إقليم كردستان لأسباب أمنية. ويظهر الانقسام بين “التشرينيين”، وهي التسمية التي باتت تطلق في العراق على الناشطين وقادة الحراك الشعبي الذين شاركوا في الاحتجاجات التي انطلقت في 1 أكتوبر 2019، في تأسيس قسم منهم كيانات سياسية للمشاركة في الانتخابات، منطلقين من فكرة مشروع التغيير التدريجي من داخل العملية السياسية الحالية، فيما يقاطع فريق آخر، وهو الجزء الأكبر، الانتخابات.

قاطع النشطاء البارزون مؤتمر الكاظمي في اليومين الماضيين

وكان رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي قد دعا في مارس/آذار الماضي، إلى ضرورة أن تشارك القوى الاحتجاجية في مؤتمر يجمع أطراف حكومية وأخرى حزبية ومحتجين متضررين من القمع الذي تعرضوا له، سماه “مؤتمر الحوار الوطني”. وعقد المؤتمر يومي الأربعاء والخميس الماضيين، إلا أن غالبية المحتجين المعروفين والناشطين البارزين قاطعوا المشاركة في المؤتمر، فيما توجه بعض منهم بصفتهم مستمعين فقط. وقال الكاظمي في كلمة له خلال المؤتمر إن “الشعب العراقي يستحق الدولة ويرفض اللا دولة”، مؤكداً أن “العراق يعاني من أزمة عدم ثقة بين الأطراف المختلفة، وأن هذه الأزمة تمثل مصدر خطر على المجتمع، وتلك أعلى مراحل الخطر على أي مجتمع في العالم”.

في السياق، قال حسين الغرابي، رئيس “البيت الوطني” وهو كيان سياسي جديد تأسس العام الماضي، إن “هناك اختلافاً في وجهات النظر، إذ يؤمن البعض أن الانتخابات أمر مهم لإجراء تعديلات من داخل العملية السياسية من خلال اقتحامها، أما البعض الآخر ونحن منهم، فيرى أن المنظومة السياسية الحالية تعمل على إقصاء واستهداف كل المعارضين لها. وبالتالي فإن التنافس مع القتلة أمر غير منطقي من قبل أشخاص لا يملكون غير علم أو شعار وكتاب وفكرة”. وأوضح في حديثٍ لـ”العربي الجديد” أن “التشرينيين ليس لديهم أي تنازع أو صراعات بين بعضهم، ونحن نؤمن بالتعددية السياسية التي تخدم جميع قوى تشرين، وأن هذا الاختلاف يعني أننا نسير في طريق ديمقراطي حقيقي”.

من جهته، أشار القيادي في حركة “نازل آخذ حقي”، عمار النعيمي، إلى أن “هناك شريحة من المتظاهرين وعلى الرغم من الانفتاح السياسي لاستيعابهم عبر أحزاب وكيانات سياسية جديدة، لا يزالون يفكرون بعقلية المعتصم في الخيم والمتظاهر في الساحات. وهذا لا يعني أن التظاهر لم يعد يجدي نفعاً، بل أنه من أساسيات التغيير، التي تخلق فرصة التغيير الحقيقي عبر البرلمان وإزاحة الفاسدين الذين لم تتمكن الاحتجاجات من إزاحتهم ومحاسبتهم”. وأكد في حديثٍ مع “العربي الجديد” أن “الانتخابات هي الفرصة الحقيقية لإحداث تغيير واقعي على مستوى السياسة في البلاد، ولا يمكن الاعتماد على غيرها، لا سيما بعد مقتل مئات العراقيين دون اكتراث من السلطات أو اهتمام دولي بالدم العراقي”.

في المقابل، رأى المرشح للانتخابات وائل الحازم، أن “معظم الخلافات والانقسامات داخل صفوف التشرينيين حدثت بسبب الاختراق الحزبي والسياسي لصفوفهم، واستخدام الأحزاب المال السياسي من أجل تشتيت صفوفهم”. وأضاف في حديث مع “العربي الجديد” أن “الكثير من قادة الاحتجاجات في العراق باتوا يحبون الانفراد بالقيادة، وتضخمت لديهم الأنا، وهذا هو واقع الحراك المدني في العراق، إذ إن واحداً من أكثر الأسباب التي أدت إلى تشظي المدنيين في البلاد، هو التفرد بالقرارات والتوجهات وخلق جماعات موالية على حساب الحراك الواحد، لتظهر بعد ذلك جماعات أخرى من قلب الحراك”.

معظم الانقسامات داخل صفوف التشرينيين حدثت بسبب الاختراق الحزبي

من جهته، لفت الباحث عبد الله الركابي إلى أن “الخلافات وعدم الانسجام ليس جديداً على المتظاهرين، إذ ظهرت بعد أشهر قليلة من اندلاع الانتفاضة في أكتوبر 2019، بسبب مشاكل معظمها شخصية، إضافة إلى التشكيك الدائم بشأن مصادر تمويل بعض خيم المعتصمين والجهات المتبرعة لهم، لكنها ازدادت مع توجه بعض الناشطين إلى تأسيس كيانات سياسية جديدة”. وأوضح في حديثٍ مع “العربي الجديد” أن “الخلافات تذوب من خلال الحوار، وهناك مبادرات تقودها شخصيات مدنية ووطنية في سبيل هذا الأمر”.

وكانت التظاهرات العراقية قد اندلعت في 1 أكتوبر 2019، عقب دعوات انطلقت عبر مواقع التواصل الاجتماعي إثر تردي الخدمات وتفاقم نسبة البطالة، قبل أن تنفجر بشكل واسع في بغداد ومدن جنوب ووسط العراق. وشهدت التظاهرات عمليات عنف غير مسبوقة، لا سيما بعدما دخلت جماعات مسلحة، وُصفت بـ”الطرف الثالث”، على خط قتل وقمع واختطاف المحتجين والناشطين. وأدت أعمال العنف إلى مقتل نحو 800 متظاهر، وإصابة أكثر من 27 ألفاً، في وقت لم تُحاسَب فيه أي جهة متورطة بهذه الأعمال.