لِمَنْ يَتسَلَّحُ المَغرِب؟

تتناول تقارير إعلامية عديدة تطلعات المغرب المؤكّدة، في ما يخص تعزيز ترسانته العسكرية بمختلف الأسلحة النوعية. وفي إطار الاتفاق الثلاثي، بين المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل، كان لافتا الحديث عن صفقة أسلحة بمليار دولار، من محتوياتها أربع طائرات درون MQ-9 Reaper. وإن لم يحصل المغرب على الطائرات، بسبب معارضة نواب ديمقراطيين في الكونغرس، إلا أن إدراجها ضمن المفاوضات كان مؤشّرا على تحول ما في السياسة التسلحية للمغرب.

وإذ تشهد الخزينة العامة ضوائق مالية، فاقمتها انعكاسات انتشار وباء كورونا، فإن وتيرة تطلعات المغرب التسلحية لم تنخفض. ولا تخلو عدة تقاير من الإشارة إلى احتلال المغرب رُتَبا متقدمة، بالنسبة لاقتناء السلاحين، الأميركي والفرنسي، في منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط. وبحسب تقرير لمجلة فوربس، في 2019، مثلا، تموضع المغرب ضمن مُتصدِّري زبائن السلاح الأميركي. والملاحظ أن الاهتمام بالتسلح آخذ في التوسع، بالانفتاح على مصادر متنوعة، منها الصين الشعبية وتركيا. وفي هذا السياق، لا يمكن للمتتبع أن يفوته تدخُّل بعض الدول “الصديقة” في التوسُّط، لأجل تمكين المغرب من بعض طائرات الدرون الصينية.

يمكن أخذ فكرة واضحة عن جديد المقتنيات المغربية من الأسلحة، وبخاصة المرتبطة بأنظمة الدفاع الجوي، بتصفح بعض المواقع المعنية، من قبيل وكالة التعاون الأمني الحكومية الأميركية. والسؤال المطروح، بعد التأكد من عزم المغرب على تعزيز ترسانته العسكرية، ومن أطراف متعدّدة في الشرق والغرب: ما الذي يدفع الدولة المغربية إلى صرف ميزانيات ضخمة في اقتناء الأسلحة؟ يمكن الإجابة عن السؤال بشكل عام، عبر الإحالة إلى ما تمثله قوات الدفاع والأمن في الحفاظ على وحدة أي بلاد واستقرارها. وإذا أخذنا بالاعتبار القوة العسكرية الجزائرية الهائلة، في مجال مُراكمة الأسلحة الروسية والصينية، منذ عقود الفورة النفطية والمالية، يمكن إدراك حقيقة التسابق على الزعامة الإقليمية في شمال أفريقيا، وبشكل أقل في المنطقة المغاربية. وعلى الرغم من مصداقية ما يمكن تقديمه من أجوبة، بهذا الخصوص، إلا أن من شأن المضي في البحث والتقصّي “إخراجنا” من منطقة العموميات.

نحاول أن نفهم السعي المغربي الحثيث نحو تعزيز ترسانته من السلاح. وفي المقابل، لا ينبغي إدراج هذا الأمر ضمن الرغبة المنفردة للدولة فقط، أي بمعزل عن القوى المحيطة، المتنافسة والمتصارعة. وبالطبع، إذا ما وجهنا النظر إلى الجزائر، مثلا، سنجد منها سعيا يكاد يكون موازيا للمغرب، في ما يخصّ اقتناء الأسلحة. على كل حال، لنظل مُؤطَّرين بالسعي المغربي إلى امتلاك أكثر الأسلحة نوعية. وفي محاولة للخروج من المُقاربات الجاهزة، بالإمكان المبادرة بطرح بعض الأسئلة: هل يخشى المغرب من تهديد داهم؟ من أي جهة؟ وما أسبابه؟ وما طبيعته؟

تعاني الخزينة العامة من ضوائق مالية، فاقمتها انعكاسات انتشار وباء كورونا، لكن وتيرة تطلعات المغرب التسلحية لم تنخفض

أخيرا، بدأ الحديث يأخذ مجراه “مغربيا”، عن تحوّل المغرب إلى قوة إقليمية. وإلى حد ما، يبدو أن المُواجهة الناجحة للسلطات الإسبانية والألمانية، في ما اتّصل بالموقف من الصحراء المغربية، قد عملت على إشاعة هذا النوع من “الإحساس”. ومن جهة أخرى، بات التوسّع الاقتصادي والمالي في أفريقيا، حتى قبل العودة المغربية إلى الاتحاد الأفريقي، يفترض قوة عسكرية مُناسبة. أي نهوض اقتصادي، في أي تقدير منطقي، لا بد من أن يواكبه نهوض عسكري. المعركة تقع على أكثر من “ساحة”، مثلما تدرك ذلك القوى الإقليمية والدولية الكبرى.

إذاً، لمن يَتَسَلَّحُ المغرب؟ تنطوي صيغة السؤال على تعبيرٍ مأخوذ من الدارجة المغربية. فَهْمُ المغزى من السؤال، بالاعتماد على العربية الفصحى، لا يفي بالمطلوب. ولذلك، يمكن اختصار الأمر بالصيغة التالية: ما هي الجهة التي يستعدّ المغرب لمواجهتها عسكريا، من خلال سعيه إلى تعزيز ترسانته من السلاح؟ السؤال بـ”لِمن”، في صيغة العنوان، أعلاه، يتّجه إلى الطرف (الخصم، العدو..)، الذي يُفترض أن يدخل معه المغرب في نزاع مسلح. لـ “مَن” أهمية أكبر، في سياقنا، مِن “لماذا” و”كيف”.

شهد المغرب حروبا كبرى على مدى تاريخه. وبالاستمرار في التركيز على “مَنْ”، فإن المغاربة خاضوا حروبا فاصلة مع إسبانيا والبرتغال (الزلاقة، الأرَك، العقاب، وادي المخازن، .. إلخ) وتركيا العثمانية (وادي اللبن)، وفرنسا، والجزائر (حرب الرمال). والملاحظ أن كل هذه الحروب خيضت مع دول الجوار. ولعل آخرها، مما قد يجري، تلك المناوشات المسلحة مع جبهة البوليساريو. وللإشارة، جاء في بعض الأخبار تصفية قائد سلاح درك البوليساريو، الداه البندير، بإحدى طائرات الدرون (صينية الصنع أم تركية؟). ولعلها أول مرة، يُشار فيها إلى استعمال الجيش المغربي هذا النوع من الطائرات المُسيَّرة، التي أبدى المغرب اهتماما متزايدا بالاستفادة من خدماتها.

بالمعنى العسكري، لا تُشكل جبهة البوليساريو تحدّيا أمنيا كبيرا للمغرب. التحدّي الأمني يكمن في من يدعم الجبهة بالمال والسلاح منذ عقود. وحتى أكثر من ذلك، فقد ثبتت مشاركة عناصر من القوات الجزائرية في معركة أمكالا ضد المغرب (1976). والسؤال، في، حدود هذا السياق: هل يُتوقّعُ أن تندلع حرب مباشرة بين المغرب والجزائر، في إثر انقطاع العلاقات الدبلوماسية بينهما؟ في الواقع، لا أحد يرغب في اندلاع أي مواجهة عسكرية في المنطقة التي تعتبر حساسة بقربها من المحيط الجغرافي الأوروبي. إضافة إلى ذلك، إنْ قُدِّر للحرب أن تقع، فإن وبالها سيكون ذا أثر بالغ على الشعبين الشقيقين، بحكم الوزن العسكري الكبير للبلدين في شمال أفريقيا.

أن يُصنَّف المغرب “عدواً”، في الخطاب الرسمي الجزائري، من شأنه أن يحمل على الافتراض بإمكانية وقوع حرب

مع ذلك، لا يستبعد التحليل الموضوعي أي فرضيات، حتى وإن كانت توقُّعاتها ضئيلة. أن يُصنَّف المغرب “عدوا”، في الخطاب الرسمي الجزائري، من شأنه أن يحمل على الافتراض بإمكانية وقوع حرب. كما أن الادّعاء بحصول أفعال عدائية من المغرب، إلى حد الاتهام بإشعال الحرائق في غابات تيزي وزو، يمكن أن يُتّخذ ذريعة لنشوب أي نزاع مسلح. وكما هو ملاحظ، فقد بلغت الاتهامات الجزائرية ذروتها، في محاولة للرد على تصريح سفير المغرب في الأمم المتحدة عمر هلال، بشأن “استقلال شعب القبائل”. وفي تقدير الكاتب، يجري تحوّل كبير في موازين القوى، بعد “الإعلان الرئاسي” الأميركي حول مغربية الصحراء، علاوة على حسم الجيش المغربي مناورات البوليساريو في منطقة الكركرات في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، عبر فتح الطريق الدولية إلى موريتانيا وأفريقيا. ومن جهة أخرى، من شأن عدم تراجع الرئيس الأميركي، جو بايدن، عن “الإعلان الرئاسي”، ودخول الوافد الإسرائيلي الجديد إلى المنطقة، أن يزيدا في اختلال موازين القوى.

كانت سياسات القوى الدولية الكبرى، في منطقة المغرب العربي تحديدا، مؤسّسة على: عدم كسر التوازن بين المغرب والجزائر. ولذلك، لوحظ كيف استمر “الستاتيكو” أربعة عقود، من دون التمكن من حسم قضية الصحراء المغربية أُمَميا. اليوم، يبدو أن “تحوّلا” ما يحدث. والواقع أن التحوّل الإيجابي أخذ في البروز، منذ قرّرت الدولة المغربية العودة إلى ملء موقعها “الشاغر”، داخل الاتحاد الأفريقي. وإضافة إلى توجّس الجزائر من ذلك، شرعت إسبانيا في ملاحظة كسر التوازن الإقليمي.

وبالإحالة إلى تاريخ الحروب والصراعات في المنطقة، غربي البحر الأبيض المتوسط، لا يمكن اعتبار الجارة الشمالية بعيدة عما يجري، ففي تقرير لمعهد الأمن والثقافة الإسباني، تحت عنوان “المغرب وجبل طارق والتهديد العسكري لإسبانيا”، تمّت الإشارة إلى أن اعتراف الإدارة الأميركية بالسيادة المغربية على الصحراء “يقوّض النفوذ الذي تحتفظ به إسبانيا وفرنسا في المنطقة المغاربية”. وفي السياق ذاته، ورد في التقرير إعرابٌ عن التخوّف “من خطط المملكة للتفوّق العسكري الإقليمي وكسر النفوذ الجزائري في المنطقة اقتصاديا وعسكريا، بفضل الدعمين، الأميركي والسعودي”.

بين المغرب وإسبانيا عدة قضايا عالقة، في طليعتها قضية تحرير مدينتي سبتة ومليلية والجزر الجعفرية. كما أن احتلال إسبانيا جنوب المغرب (خصوصا)، وإن انجلى بعد تنظيم المسيرة الخضراء، لا يزال يلقي بثقله على قضية الصحراء أُمميا، بالنظر إلى التاريخ السابق للسلطات الإسبانية في إدارة ملف الصحراء المغربية. ولذلك، نستطيع “تفهُّم” الرغبة الإسبانية في عدم “كسر التوازن الإقليمي”، بدعوة وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إلى عدم بيع أسلحة نوعية للمغرب، قد تشكّل خطرا على أحد أعضاء حلف شمال الأطلسي.

بين المغرب وإسبانيا عدة قضايا عالقة، في طليعتها قضية تحرير مدينتي سبتة ومليلية والجزر الجعفرية

لدى المغرب دواع كبرى لاقتناء الأسلحة، بالنظر إلى وجود أراض له محتلة. وإن استطاع تجنّب نشوب أي نزاع مسلح مع إسبانيا، في انتظار حل قضية المدينتين السليبتين دبلوماسيا، إلا أن الخشية يأتي مصدرها من حدوث “استفزازاتٍ” مسلحة على الحدود، في ظل انغلاق المجالين الترابيين للجاريْن الجنوبيين من جهة، وانقطاع العلاقات الدبلوماسية بينهما من جهة أخرى. لا توجد نزاعاتٌ ترابيةٌ كبرى بين المغرب والجزائر، بخلاف ما هو حاصل مع إسبانيا. ومع ذلك، تبقى نسبة اندلاع مواجهات مسلحة بين المغرب والجزائر (ولو أنها جد ضئيلة) مرتفعة بالمقارنة مع الجار الشمالي. دعم الجزائر “البوليساريو” بالمال والسلاح والدبلوماسية، من دون ترك “الملف” بين أيدي الأمم المتحدة، يشكل عائقا أمام “التطبيع” الكامل بين البلدين الشقيقين. اليوم، يشهد الجاران حربا باردة ضروسا، يُخشى أن تنتهي باندلاع حرب “غير محسوبة”. وفي السياق ذاته، يُخشى من أن تؤدّي هذه الحرب الباردة إلى نزاعات دبلوماسية زائدة عن اللزوم، داخل أروقة الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، والاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية.

هناك روابط وثيقة بين المغرب والجزائر. ويمكن أن يساهم الجانب الثقافي منها، ومعه التداخل العرقي- التاريخي، في انبثاق تنمية اقتصادية متكاملة بجنوب المتوسط (في دول المغرب العربي تحديدا). ولعل من شأن هذه الروابط، إن تمّ تأسيسها على أساس قاعدة رابح – رابح، أن تُزيل كل العوائق الموجودة التي تحول دون طيّ ملف الصحراء المغربية، من منظور مخطط الحكم الذاتي. من شأن حلحلة قضية الصحراء المغربية، إن وقع ذلك في أقرب فرصة، أن يساهم في حل معضلة التنمية الاجتماعية في البلدين، وتطوير مجال حقوق الإنسان بالتوازي.