بشّارستان وأفغانستان

ينظر السوريون، نازحين ومقيمين، بحسد ظاهر إلى الأفغان النازحين على متن الخطوط الجوية العسكرية الأميركية إلى أميركا، بإجراءات سهلة. قد يعانون يومًا أو يومين، وقد يطول الانتظار أسبوعًا، لكنه أكرم من الوقوع بين أنياب قروش البحر وبراثن قروش البرّ. جلُّ رحلات الأفغان كريمة، وإنْ شابها ما شابها من زحام وتدافع في المطار. أما سبب هذا الكرم الأميركي فهو أنّ أميركا أرادت أن تخفي هزيمتها في أفغانستان بتكريم المتعاونين معها، يمكن وصفهم بأنهم دروع بشرية سياسية، والسعي إلى القول إن أفغانستان ليست فيتنام، وإنّ كابول ليست سايغون، وإنّ الأفغان يفضّلون المستعمر على “طالبان”. الأفغان النازحون من الطبقة الوسطى، فهم عقول يمكن الاستفادة منها، إما هم خائفون من “طالبان” أو طامعون في العيش السهل، فالحرية أغلى من الوطن، واللذّة أوْلى من العزّة، وقد يجمع النازح الأفغاني بين عزّة وثائق أقوى دولة ولذة العيش في ظلها أيضًا، والنجاة من مرحلة انتقالية خطرة ومجهولة.

يسافرون جوًا، ولن يُخاطروا في السفر في ثبج البحر، ولن يُكابدوا من عذابات البرّ، وسيجدون أنفسهم بعد ساعات في أميركا، أو في إحدى قواعدها المنتشرة في العالم، وسيصيرون مواطنين أميركيين بعد شهور أو سنين، ويحملون جواز سفر أعظم دولة. تفزع لهم أميركا إن أصابهم سوء، وسيتعلمون اللغة العالمية الأولى انتشارًا، سيسافرون إلى “الفردوس الأرضي”. هي ليست فردوسًا، لكنها بلاد الفرص الكثيرة، ويمكن لهم المحافظة على دينهم وعلى عاداتهم، وزيارة أوطانهم سائحين، ويمكنهم أن يقيموا في دولتين، المهجر والوطن.

ثمّة خطرٌ لاح في الأفق قبل يومين من انقضاء المهلة المتفق عليها بين “طالبان” والأميركان، فقد استيقظ عفريت تنظيم ولاية خراسان. قبلها لم يكن مطار كابول يعاني سوى من خطر الزحام، ومصيبة الزحام كان لها بعض الفوائد، فتسرّب بفضل عركة الزحمة أفغانٌ غير مدرجين في قوائم الخطر إلى أميركا. لم تكن أفغانستان تعاني من قصف بالنيران قبل عملية خراسان. لم يكن هناك هجمات بالغازات الكيميائية. لم يكن في سجون “طالبان” أو في سجون الأميركان ناس يموتون من التعذيب، فحتى في سجن غوانتانامو الرهيب يأكل المعتقلون، ولم يبقَ فيه سوى بضع عشرات من المرجّح أن يُفرج عنهم. ونال الأفغان تفضيلًا آخر على السوريين، أنّ الدول الأوروبية تداعت إلى حُسن استقبال الأفغان.

باع السوري بيته إن كان له بيت، وسافر بأجر بيته عبر البحار إلى البلاد الأوروبية، بينما يهاجر الأفغان مع الاحتلال الأميركي معزّزين غير مهانين. لن يعاني الأفغان الماكثون في وطنهم من بأس البطاقة الذكية، وسيأكلون ما يشاؤون من خبز، فليس على أفرانهم طوابير حتى هذه اللحظة، وهناك علاماتٌ يستبشر بها المجتمع الدولي بتغيّر سلوك “طالبان” الذي يوصف بالشدّة، بينما لا يزال سلوك النظام السوري هو نفسه، لم يتغير قيد أنملة، بل إنه في ساعة كتابة هذا المقال يقصف درعا، والمرجّح أنّ النظام الدولي سيقبل بالنظامين، السوري والطالباني، فكلاهما منتصران، واحد بمعونة دول عظمى، والثاني متغلبًا على دول عظمى.

قد تكون مقولة رياض الترك عن الصفر الاستعماري صحيحة، فقد حارب الأفغان عدوّهم مباشرة، بينما يحارب السوريون عدوًا داخليًا يعرف دقائق حياته وطرق تفكير، وحارب الأفغان كل دولة عظمى على حدة، السوفييت، ثم أميركا، أما السوريون فيقاتلون عدة دول عظمى. بذل السوريون من الضحايا ما يعادل تحرير أفغانستان من أعتى دولتين، الاتحاد السوفييتي المرحوم، والولايات المتحدة بقنابلها الذكية وطائرات الشبح وأمهات القنابل وجدّاتها وخالاتها، وقصف السجادة النارية، واليورانيوم المنضب.

هناك سنن كونية أجمع عليها المؤرّخون والحكماء مثل ولادة الخير من بطن الشرّ، وكانت الحرب دومًا نافذة لتبادل الثقافات على مرارتها، وقد ترك الاستعمار البريطاني في الهند، على قسوته، عمارات وسككًا حديدية وطرقًا في العيش، وسيترك الاستعمار الأميركي في كابول مطارًا بناه لسرقة ثروات أفغانستان، وأسلحة كثيرة وبعض الخبرات. أما النظام السوري، فلم يترك شيئًا سوى الأنقاض والأحقاد، ولا يلوح للسوري نصر قريب، ولا يحكُّ جلدك مثل ظفرك.