مقابر ترهونة

يستمر الجدل في ليبيا حول الانتخابات المقررة في 24 ديسمبر/كانون الأول المقبل، تحديداً حول شروط الترشح لرئاسة الدولة، في ظلّ معارضة إقرار مجلس النواب لقانون انتخابات الرئيس بشكل مباشر من الشعب، وحول الجهة التي يُفترض أن تصدر عنها القاعدة الدستورية، من دون أن يتنبّه أحد لضرورة تضمين الشروط شرطاً حول براءة المرشح من الجنايات.
تجري كل تلك الأحداث مرفقة بخلافاتها العميقة تزامناً مع استمرار الإعلانات المتتالية لـ”الهيئة العامة للبحث والتعريف عن المفقودين” حول اكتشاف المزيد من المقابر الجماعية في مدينة ترهونة، المدينة الوحيدة التي لا تزال تعاني من آثار الحرب، التي دامت عاماً ونصف العام، ومن دون أن تندمل جراح أهلها بعد. وحتى يوم الخميس الماضي، في الوقت الذي كان يتجادل فيه رئيس مجلس النواب عقيلة صالح ورئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة حول جلسة استجواب الحكومة، أعلنت الهيئة عن انتشال جثة جديدة، مرجّحة إمكانية العثور على مزيد من الضحايا، وسط اهتمام ضعيف من جانب وسائل الإعلام الليبية.

وقد وصل عدد المقابر المكتشفة في ترهونة حتى الآن إلى 188 مقبرة وفاق عدد المفقودين فيها 300 شخص، وباتت الأنباء المتابعة لجديد المقابر روتينية، بل غابت عن تصريحات المسؤولين واهتمامهم، إلا لماماً وفي سياق المناكفات، من دون أن يشدد أي طرف سياسي على ضرورة الكشف عن نتائج التحقيقات الجارية، خصوصاً الحكومة التي شكّلت في مطلع إبريل/نيسان الماضي لجنة وزارية مهمتها متابعة ملف مقابر ترهونة.

دولياً، العديد من لجان التقصي والبحث عن الحقائق، منها ما هو تابع للبعثة الأممية ومنها ما يتبع مجلس حقوق الإنسان الأممي، زارت البلاد من دون أن تعلن عن أي نتائج، وكأن أعمالها تسير في ركب سياسات بعض الدول، التي ترتبط بشبكة مصالح مع الأطراف التي قد تكون متورطة في دماء أهل ترهونة، لكن اللافت في سلوك هذه اللجان الدولية، أنها ترى في الإعلان عن نتائج تحقيقاتها عرقلة للانتخابات. في المقابل، تنصبّ خلافات الأطراف حول شروط الترشح لمنصب رئيس الدولة، في جنسيته ومنصبه العسكري، ويقصد المعارضون أو المؤيدون لتلك الشروط، اللواء المتقاعد خليفة حفتر، متغاضين عن تضمين شروط تتعلق بالبراءة الجنائية من أي جرم في أحقية الترشيح.

ماذا لو رضخ الجميع لقانون انتخابات رئيس الدولة، الذي أقره مجلس النواب، ونجح حفتر في خوض غمار الانتخابات وفاز، ثم ثبت تورطه المباشر في جناية المقابر الجماعية في ترهونة، التي لا يبدو أنها تحتاج لإثبات أصلاً، خصوصاً أن زمن حدوثها كان أثناء سيطرة مليشياته على المدينة؟ ليس بوسع حفتر فكّ صلته بمليشيات الكاني، المعاقبة دولياً بهذا الجرم، حتى وإن اتُهم بقتل آمرها محمد الكاني لإسكاته.