عن صور "أولئك" الذين سقطوا من أعلى

زكي أنوري، 17 عاماً، هذا اسم وعمر لاعب كرة القدم الشاب الذي لم نعرف عنه شيئاً إلا أخيرًا. فآخر مرة شاهدناه فيها كان نقطة تسقط من الطائرة الأميركية التي تغادر مطار كابول. هناك أيضاً جوناثان بريلي، 45 عاماً، هو اسم الرجل الذي سقط منذ عشرين عاماً من أعلى برج التجارة العالمي قبل انهياره. صورتان، هما نتيجتان لحرب في قارتين مختلفتين. صورة الرجل الذي يسقط محفورة في الذاكرة، وتهدد سلامنا الداخليّ كلما أعدناها إلى الذاكرة.

الاختلاف، أن صورة جوناثان أصحبت جزءًا من الثقافة الشعبيّة. المسلسل الشهير “رجال مجانين” تبناها في شارته، كما أنها تحولت إلى نوع من الغرافيتي والزينة الداخليّة. جوناثان ضحية، كان آمناً في مكتبه حين لم يجد مفراً سوى القفز نحو حتفه، فلا مفر. أما أنوري الضحية أيضاً، عرف أن كل البلاد أصبحت خطراً، هاويةً من نوع ما، والمفر الوحيد هو الطائرة. ولو كان في الأمر موتاً شبه محتم، كلا الرهانين على السقوط يحتويان نجاةً من نوع ما، فمن يترك للجاذبية الأرضية حرية أن توظف من سطوتها، لا يبحث عن موت، بل احتمالات حياة ضئيلة.

تضعنا الصورتان أمام تناقض في العلاقة مع الأرض والسماء. في الأولى، الأرض هي المشكلة، لا حياة وأمان فيها، في الثانية، السماء هي المشكلة، لا أمن فيها. طائرات بأكلمها تخترق الأبنية، والأرض هي النجاة، فما ما في السماء لا يمكن التنبؤ به. هذا التناقض يحيلنا إلى الوضعية السياسيّة نفسها، والسيادة على المكان، إذ حول الجيش الأميركي المطار في كابول إلى ما يشبه مساحة استثناء، لا بد من العبور فيها أو الانتظار في سبيل النجاة، و”الارتفاع” إلى مستقبل لا نعلم عنه شيئاً، بعكس الطائرتين اللتين دمرتا برجي التجارة العالميين. كلتاهما، حولتا السماء إلى مساحة خطرة. والأهم، حوّلتا ما نظن أنه آمن، وبعيد عن كل شيء، إلى هاوية محتملة لا بد من القفز من أعلاها لأجل النجاة.

لكن، لم بالأصل تظهر هذه المقارنة؟ والاختلاف بين الاثنين شديد الوضوح، ربما المشترك برأينا، هو صورة إنسان يسقط من أعلى، فرد لم يجد مفراً أسوأ من احتمالات الجاذبية الحتميّة. كلتا الصورتين تعكسان هشاشة الوضعية البشريّة أمام سطوة الحديد والفولاذ الذي يخترق السماء ارتفاعاً. والأهم تلاشي قيمة الفرد، إذ لا وجه لمن يسقط، ولا تتضح ملامحه أمامنا، نرى فقط جسداً يهوي نحو حتفه، مشعلاً القشعريرة والرعب في أبداننا، أي واحد منا قد يجد نفسه في هكذا سياق، سواء كان يعيش في ظل الديمقراطيّة الأميركيّة أو الأصولية الطالبانيّة.

في كلتا الصورتين هناك عنف سياسي واضح، حوّل الأرض إلى هواية والسماء إلى موت محتم، العنف السياسي إذا لم يكتف بزحزحة التراب وتهديم شروط الاستقرار ضمنه، و هذا ما نراه في صور “إجلاء” الأفغان عن أرضهم، بل هدد أيضاً السماء، وكل ما يحاول أن يصل إليها، لا بناء عاليا الآن في أمان من طائرة شاردة، وكلنا مهددون بأن نجد أنفسنا معلقين بين السماء والأرض، بانتظار حتف ما، الارتطام أو التحليق أشلاء.

لا يمكن إلا أن ندرج هذه الصور ضمن أدبيات وصور الرعب المعاصر، حين تكشف الصورة عن ضعفنا كبشر أمام آلة الموت، هذا الضعف الذي يتركنا مكشوفين أمام الحديد والموت، مهددين، رعب يكشف هشاشة اللحم البشري وسهولة تفكيكه وسقوطه نحو حتفه، كما تكشف لنا هذه الصورة عن ملامح من الطبيعة البشريّة، احتمالات النجاة ولو انعدمت، هي محرّك للفعل أشد أثرا من الاستسلام للموت، وكأن اليقين بالموت لا يمكن تحقيقه، ويكفي أن تكون هنا مساحة لقفزة، أو احتمالات نجاة من السقوط كي يكسر هذا اليقين وتهدد جديّته.