عارف بوزه جي.. صوت شعري تركي في البلقان

بعد معركة ملاذكرت في نهاية آب/ أغسطس 1071، التي أصبح يُحتفل بها رسميا في تركيا، التي فتحت أبواب الأناضول أمام انتشار الأتراك فيه، الذين أسسوا إمارات وحضارات (سلجوقية وعثمانية وغيرها) تشرّبت من المحيط الجديد، أصبح الأناضول الجديد يضخ البشر وثقافتهم الجديدة جنوبا وشمالا. ومن ذلك مشروب “البوزة” المنعش (تصاعد الحديث عنه مؤخرا في مصر باسم “البوظة”) الذي انتقل إلى بلاد الشام والبلقان في القرن الخامس عشر، والذي أصبح الحرفي الذي ينتجه ويبيعه يدعي “بوزه جي”.

ومن الأتراك الذي انتقلوا واستقروا في البلقان خلال الحكم العثماني كان لدينا عشرات الشعراء الذين برزوا في الشعر العثماني الكلاسيكي، وبقي لدينا بعد نهاية الحكم العثماني في 1912 شعراء من أحفاد الأتراك الذين يمثلون الآن الأقليات التركية الممتدة من بلغاريا إلى كوسوفو. ومن هؤلاء لدينا الشاعر عارف بوزه جي، الذي ولد في بريشتينا عام 1944 وتخرّج من قسم الدراسات الشرقية في جامعة بريشتينا. اشتغل في الصحافة التركية الموجودة في كوسوفو، في جريدة “تان” ثم أصبح رئيسا لتحرير المجلة الثقافية “تشفرن”.

شاعر من الأقليات التركية الممتدة من بلغاريا إلى كوسوفو

بعد تقاعده تفرغ للأدب والنشاط في مجال حقوق الإنسان في تلك الفترة الانتقالية من تاريخ يوغسلافيا واضطر إلى اللجوء لألمانيا في 1993 ثم عاد إلى كوسوفو بعد نهاية حرب 1999.

في مجال الشعر عبّر عارف بوزه جي عن موهبة مبكرة في الشعر وأصبح من أبرز شعراء الأقلية التركية في كوسوفو (حوالي 1% من السكان)، ونشر خمس مجموعات شعرية في اللغة التركية: “عصافير السلام” (1975)، و”ربيع منفي” (1982)، و”الحرية” (2004)، و”النورس والبحر” (2014)، و”درجات الخيال” (2014).

تُرجمت أشعاره إلى الألمانية والفرنسية والإنكليزية وغيرها، بينما هذه أول إطلالة له في العربية. كان من مؤسّسي جمعية الكتاب الأتراك في كوسوفو، التي كرّمته في 2012 باعتباره “شاعر السنة”، كما حصل بواسطتها على الجائزة الدولية “سليمان برينا” لإسهامه في إبداع وإشهار الشعر التركي في البلقان. وتمّ تكريمه بمناسبة مرور 50 سنة على عمله الأدبي بإصدار مختارات من شعره بعنوان “أجراس الشمس” في خمس لغات (التركية والألبانية والألمانية والفرنسية والإنكليزية) في بريشتينا (دار زن 2019).

فلسطين: لا يوجد أي تابوت يتّسع لشمس الحرية

ينتمي عارف بوزه جي إلى الجيل المخضرم، حيث ولد في السنة التي وصل فيها الحزب الشيوعي إلى السلطة وأعلن عن تأسيس جمهورية يوغسلافيا الفدرالية وعايش تقلباتها، بما في ذلك تهجير عشرات الآلاف من الأتراك فيها حتى 1966 وانقلاب سلوبودان ميلوشيفيتش على يوغسلافيا التيتوية في 1989، واضطراره إلى اللجوء لألمانيا في 1993.

نتيجة للحياة المخضرمة الغنية، تأثرت تجربته الشعرية ومالت باتجاه التكثيف والانفتاح على هموم الإنسان في كل مكان حتى يصحّ وصفه بصاحب البرقيات الشعرية التي تحمل هموم الإنسان. ومن ذلك القصيدة/ البرقية المعبّرة “فلسطين”، التي تقتصر على سبع كلمات فقط: “لا يوجد/ أي تابوت/ يتّسع لشمس الحرية”.

قصائد مختارة من أجراس الشمس

الشاعر

هو من يشعر 
بصدى خطوات النملة
وحوار النحل مع الأزهار. 

◼◼◼

إعدام الشاعر
(فريدريكو غارسيا لوركا)

في ذلك اليوم
الذي أعدموك
أصابتني الرصاصة الأولى
وأصبح قلبي قبراً مفتوحاً. 

◼◼◼

سور برلين

حين هُدم 
سور برلين
كُلّ قطعة من أحجاره
تحوّلت في يدي
إلى فراشة.

◼◼◼

الخريف في المنفى

كُلّ أوراق الأشجار
التي سقطت على الأرض
دُفنت في مقبرة وحدتي
صمتت جبال أشواقي
كأنها بوزن السماء على أكتافي

في المنفى
حتى ظلّي
لا يعرفني

حملت المنفى
كأحذية اللعنة 
كقميص ميتٍ
على جسدي.
 
(ألمانيا 2015)

◼◼◼

فلسطين

لا يوجد
أي تابوت
يتّسع لشمس الحرية.

◼◼◼

الفراشة

حين لم ير الربيع
أية فراشة
في حديقتي 
لم يستطع أن يتحمّل العبودية.
 
(حزيران/ يونيو 1997)

◼◼◼

مغلّف

حين أطفأت الغربان ظمأها
من عيون العصافير
أراد طفل من بريكاز*
أن يبعث رسالة 
إلى السماء

لم يجد مغلّفا
يتّسع لرسالته المشبعة بالدم.

*بريكاز قرية في وسط كوسوفو هاجمتها القوات الصربية في 5/3/1998 لتحاصر وتقتل 58 شخصا من أفراد أسرة القائد العسكري لـ “جيش تحرير كوسوفو” آدم يشاري.

◼◼◼

الشجاعة

في الليل 
لا أجد الشجاعة لأموت!
في النهار
حين أسمع سيمفونية الشمس
أنسى الموت!

◼◼◼

دون حب

حين لا أحب
أكون في الهواء
أفتقد الطريق
الشمس
وتتوقف ساعة قلبي
عن الدوران.

◼◼◼

الأيادي

أبعد مسافة لي
حين لا أستطيع
لمس يديك.

◼◼◼

المرأة

مع الجمال
تنير النجوم
ومع الغيرة 
تحرق الغابات.

◼◼◼

أحلام الوحدة

لا أعرف 
في أي جبل
وفي أية سنديانة
تنمو ألواح
الوحدة.

◼◼◼

المحطة الأخيرة

الموت
ليس المحطة الأخيرة
بل نورٌ يفضي إلى نور
الموت ليس المحطة الأخيرة
بل بداية الحرية.

* كاتب وأكاديمي كوسوفي سوري