إحياء مفاعل يونغبيون النووي: كيم يصعّد وبايدن متردّد

أعادت كوريا الشمالية تشغيل مفاعلها النووي الرئيسي المستخدم في إنتاج وقود الأسلحة في يونغبيون، شمالي العاصمة بيونغ يانغ، وفقاً لما أوردته الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يهدد أي بادرة إيجابية في المسار الدبلوماسي مع المجتمع الدولي، الولايات المتحدة تحديداً، ويشرع الأبواب أمام علاقة مغايرة نسبياً مع إدارة جو بايدن، بعد فترة قصيرة من التقارب في النصف الثاني من ولاية الرئيس السابق دونالد ترامب، رغم أن إدارة بايدن أبدت استعدادها للدخول في محادثات مع بيونغ يانغ بشأن برنامجها للأسلحة النووية، لكن كوريا الشمالية رفضت. ولم ترد بعثة كوريا الشمالية لدى الأمم المتحدة على طلب للتعليق لصحيفة “وول ستريت جورنال” حول التقرير. وذكرت الوكالة في تقريرها السنوي الصادر يوم الجمعة الماضي، أنه “منذ مطلع شهر يوليو/ تموز الماضي، ظهرت مؤشرات، منها تصريف مياه التبريد، تتوافق مع تشغيل المفاعل”، الذي يتحلّى بقدرة إنتاجية تبلغ خمسة ميغاواط. وأضاف التقرير أن “هناك مؤشرات على تشغيل مختبر الكيمياء الإشعاعية في يونغبيون من منتصف شهر فبراير (شباط) إلى مطلع شهر يوليو (تموز) الماضيين”.

الأولوية حالياً بالنسبة إلى بايدن هي ملفات أفغانستان وإيران وروسيا
 

واعتبر أن فترة التشغيل هذه تتماشى مع حملات إعادة المعالجة السابقة، التي أعلنت عنها كوريا الشمالية للوقود المشعّ الذي يتم تصريفه من المفاعل. وأشارت الوكالة إلى أن “الأنشطة النووية لكوريا الشمالية تشكّل مصدر قلق بالغ”. مع العلم أن الوكالة لم تتمكن من الوصول إلى يونغبيون أو أي مواقع أخرى في كوريا الشمالية منذ أن طردت الدولة مفتشي الوكالة في عام 2009. وقالت إنها تستخدم صور الأقمار الاصطناعية ومعلومات مفتوحة المصدر لرصد التطورات في برنامج كوريا الشمالية النووي. وينتج المفاعل البلوتونيوم، وهو أحد المكونين الرئيسيين اللذين يستخدمان في صنع أسلحة نووية إلى جانب اليورانيوم عالي التخصيب. ويتم استخراج البلوتونيوم عن طريق إعادة معالجة قضبان الوقود المستهلك التي تجري إزالتها من المفاعلات. وينتج المفاعل أيضاً اليورانيوم عالي التخصيب، وهو الوقود النووي الرئيسي الآخر. كان المجمع، الذي تسميه كوريا الشمالية “قلب” برنامجها النووي وأبحاثها، في بؤرة الاهتمامات الدولية لعقود من الزمن. وليس من الواضح بالضبط مقدار البلوتونيوم المستخدم في صنع الأسلحة أو اليورانيوم عالي التخصيب، الذي تم إنتاجه في يونغبيون وأين تخزنه كوريا الشمالية. ويقع المجمع على بعد حوالي مائة كيلومتر شمالي بيونغ يانغ، ويضم عشرات الأبنية المرتبطة ببرنامج كوريا الشمالية النووي، وافتُتح في عام 1986 وبني فيه المفاعل الكوري الشمالي الأول، وهو مصدر البلوتونيوم الوحيد المعروف في كوريا الشمالية. وتحمل هذه التطورات أنباء سيئة للولايات المتحدة، خصوصاً في هذه الفترة، بعد الانسحاب المعقّد من أفغانستان وإفرازاته السلبية، سواء على صعيد تسلّم حركة “طالبان” السلطة وغموض الأفق السياسي في كابول أو في سياق عمليات الإجلاء الميدانية من مطار حامد كرزاي والتوترات الأمنية المُصاحبة لها. كما أن لواشنطن ملفاً عالقاً مع طهران في الملف النووي الإيراني، مع تجميد مفاوضات فيينا في هذا الصدد. وفي أول تعليق أميركي رسمي على تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، قال مسؤول كبير في إدارة بايدن إن الولايات المتحدة توافق على أن “الكشف مقلق، وأن التقرير يؤكد الحاجة الملحة للحوار والدبلوماسية حتى نتمكن من تحقيق نزع السلاح النووي الكامل من شبه الجزيرة الكورية”. في المقابل، اعتبر مدير مركز “كراون لدراسات الشرق الأوسط” في جامعة برانديز في ولاية ماساتشوستس، الخبير السابق في مجلس الأمن القومي المعني بأسلحة الدمار الشامل غاري سامور، أن هذه الخطوة “تشير إلى أن كوريا الشمالية استأنفت إنتاج البلوتونيوم لبرنامج أسلحتها النووية”. وما يثير القلق هو إعلان البيت الأبيض انتهاجه استراتيجية “متوازنة” في محاولة للخروج بمسار وسطي بين توجهات ترامب وتوجهات الرئيس الأسبق باراك أوباما. لكن مسؤولين سابقين تحدثوا لصحيفة “وول ستريت جورنال” عن تراجع الملف الكوري الشمالي على أجندة بايدن، مع تركيزه على إيران وأفغانستان ومواصلة مناقشات الحدّ من التسلّح مع روسيا. ولخّص المسؤول السابق في وزارة الخارجية، والذي يعمل الآن في مركز “ستيمسون للدراسات” في واشنطن، الأمر بقوله إنه “لا يمكن تجاهل أنشطة كوريا الشمالية في يونغبيون، وتحتاج إلى تصدّر أولويات إدارة بايدن”.

واشنطن: التقرير يؤكد الحاجة الملحة للحوار والدبلوماسية

 

ورأى المسؤول الكبير السابق في وزارة الخارجية روبرت أينهورن، الذي تفاوض مع كوريا الشمالية، أن “العمليات المستأنفة في المفاعل ومنشأة إعادة المعالجة قد تكون مؤشراً على غياب أي احتمال ضئيل للتوصل إلى اتفاق نووي”. وأضاف: “يبدو أن الخمول الأخير للمنشآت الرئيسية في يونغبيون مرتبط بعرض كيم جونغ أون في قمة هانوي (فيتنام في 27 و28 فبراير 2019) لإغلاق المجمع”، إذا حصل على تخفيف واسع للعقوبات خلال قمة مع ترامب، لكن الأميركيين رفضوا العرض لأنه “لن يكون سوى استسلام جزئي لقدرات كوريا الشمالية النووية”. وسبق للمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسي أن أعلن، في يونيو/ حزيران الماضي، أن “الوكالة ترى مؤشرات على أعمال إعادة معالجة محتملة لفصل البلوتونيوم عن الوقود النووي المستهلك”. وتبدو قضية تنشيط المفاعل ضمن مسار باشره كيم في يناير/ كانون الثاني، خلال مؤتمر حزب “العمال” الحاكم، واضعاً خطة لتحديث تقنية بلاده النووية، بما في ذلك تطوير أسلحة نووية مصغرة وغواصات تعمل بالطاقة النووية. كما يواجه مشاكل متزايدة في الداخل، معترفًا بنقص الغذاء خلال الصيف، عدا عن أن تفشي فيروس كورونا، دفع بيونغ يانغ إلى إغلاق حدودها في العام الماضي. في ظلّ هذه التطورات، تحاول واشنطن المحافظة على الهدوء في العلاقة مع بيونغ يانغ، مع تأكيد مبعوث إدارة بايدن لكوريا الشمالية سونغ كيم (من أصول كورية جنوبية)، في 23 أغسطس/ آب الحالي، خلال رحلة إلى كوريا الجنوبية، أنه مستعد للقاء نظرائه الكوريين الشماليين في أي وقت، مشدّداً على أنه “لا نية عدائية” لواشنطن تجاه بيونغ يانغ. (العربي الجديد، أسوشييتد برس، فرانس برس)