صالات إسطنبول: شروطٌ وحالات وانفعالات

صالاتٌ سينمائية عدّة، في إسطنبول، تفتح أبوابها كلّ يوم أمام مُشاهدين يرغبون في متابعة بعض أبرز الإنتاجات الحديثة والقديمة، أحياناً، التركية والأجنبية. الدخول إلى إحداها منبثقٌ من رغبةٍ في استعادة شيءٍ من ماضٍ، يتهاوى كلّ لحظةٍ في ذاكرةٍ فردية، تتخبّط في ارتباك علاقتها بالماضي، لشدّة انغماس الحاضر في انهياراتٍ ومآزق.

الدخول إلى صالة سينمائية في إسطنبول محاولة للتذكّر، لا لندبٍ منبوذ، فالماضي منتهٍ، والذاكرة باقية، والراهن يُقدِّم بعض راحةٍ وهدوءٍ، خارج بيروت المنكوبة.

الصالات التركية تمارس وظيفتها كحيّزٍ، يمنح المُشاهدة السينمائية حقّها الطبيعي في ممارسة طقوسها، وإنْ كانت أفلامٌ عدّة تجارية واستهلاكية، إلى جانب بعض المختلف. في “سينمَكسيموم” مثلاً، هناك الوثائقي الروماني Collectiv، لألكسندر نانو (2019)، الذي تعرضه صالة “بِيوغْلو” أيضاً (صالة فنّ وتجربة)، و”الأب (The Father)” لفلوريان زيلّر (2020)، و”أولد (Old)” لأم. نايت شامالان (2021). هذا تنويعٌ، يُتيح اختياراتٍ، وإنْ كانت قليلة، تتمكّن من تنويعٍ مطلوبٍ في مشهدٍ صيفيّ غير معتاد، إذْ يقول أصدقاء إنّ حرارة الطقس هذا الصيف أعلى من تلك الحاصلة قبل عامٍ، وإنّ الناس (أتراكاً وسيّاحاً) في شارع الاستقلال ـ حيث تقع صالة “بِيوغْلو” ـ أقلّ عدداً من ذاك المعروف عن الشارع والمدينة في أعوامٍ سابقة.

لصالات “سينمَكسيموم” و”بِيوغْلو” قواعد، يجب التزامها في زمن كورونا، كالصالات الأخرى في العالم، التي تلتزم شروطاً معينة، ويُحاول بعضها إيجاد منافذ مقبولة لتخفيف تلك الشروط. ففي الولايات المتحدّة الأميركية، هناك صالات تستقبل مشاهدين غير ملتزمين الكمامات، “شرط أنْ يكونوا مُلقَّحين”. في الصالات التركية، هناك مسافة بين مقعدٍ وآخر، والكمامة مطلوبة، مع أنّ مشاهدين عديدين يرفعونها عن وجوههم، فإبقاؤها مُتعِبٌ، وقلّة عدد الموجودين معاً، في مسافات مقبولة بينهم، تخفِّف حدّة التزام الكمامات.

 

 

اختلافٌ آخر بين الصالتين: في “سينمَكسيموم”، تُنبِّه الموظّفة الشابّة كلَّ مُشاهدٍ إلى عدم تشغيل المكيّفات الهوائية، بسبب التزام الإدارة شروط السلامة الصحّية الخاصة في ظلّ كورونا، قبل شرائه بطاقة الدخول (27.5 ليرة تركية، ما يُعادل 3.5 دولارات أميركية تقريباً، فالدولار الأميركي يراوح سعره التركي بين 8.35 و8.50 ليرة تركية). في “بِيوغْلو” (25 ليرة تركية ثمن بطاقة الدخول)، لا أحد يُنبِّه أحداً، رغم أنّ المُكيّف غير “شغّال”. هذا لن يكون تفصيلاً عابراً، فـ”سينمَكسيموم” تتوقّع أعداداً أكبر من مشاهدي أفلامها، لكونها تجارية، ولوقوعها في مجمّع كبير، ولقدرتها على استقطاب مشاهدين يسعون إلى وقتٍ للتسلية في صالة معتمة. بينما “بِيوغّلو” أقرب إلى صالة نخبوية، وقلّة عدد روّادها كفيلة بتخفيف تلك القيود. أو لعلّ من يعمل فيها غير مهتمّ وغير راغب في التزامٍ وإلزامٍ.

رغم هذا كلّه، هناك متعة ما في الدخول إلى صالة سينمائية، يلتزم روّادها صمتاً كاملاً احتراماً للمُشاهدة، بعد أشهرٍ طويلة من الغياب عنها. ومع أنّ منصّات عدّة تُتيح مشاهداتٍ، وتطرح تساؤلات، وتُثير نقاشاتٍ عن آلية المُشاهدة والعلاقة الجديدة بين المُشاهد والمُشاهدة؛ ومع أنّ هذا الفعل المغاير لـ”طقوس المُشاهدة السينمائية” (ومعظم هذه الطقوس، إنْ توافر مالٌ كثيرٌ، قابلٌ للتحقّق في المنازل، بفضل التقنيات الحديثة) مُثيرٌ، بدوره، لمتعةٍ مختلفة في مُشاهدة مختلفة؛ فإنّ دخول صالتي “بِيوغْلو” و”سينمَكسيموم”، بعيداً عن التواضع السينمائي لـ”سماوات لبنان” (المعروض حينها في “بيوغّلو”) وتفاهة “الفرقة الانتحارية” (سينمَكسيموم)، يمنح شيئاً من راحةٍ، ولو مؤقّتة؛ وشيئاً من تذكِّر، ولو قليلاً، لأيامٍ قديمة.