المعونة الأميركية لمصر… في انتظار حقوق الإنسان

كشفت مصادر دبلوماسية مصرية لـ”العربي الجديد”، عن إجراء اتصالات بين القاهرة وواشنطن لاستطلاع موقف وزارة الخارجية الأميركية من الإفراج عن مبلغ 300 مليون دولار لمصر. والمبلغ جزء من المعونة الأميركية السنوية مشروط التصرف فيها بقرار وزير الخارجية أنتوني بلينكن، بناء على التطورات التي يراها في تعامل السلطة المصرية مع ملف حقوق الإنسان والمجال العام، كما كان يحدث في السنوات السابقة. ومن المقرر أن يعلن بلينكن قراره في هذا الشأن نهاية سبتمبر/أيلول المقبل، وسط ضغوط من دوائر ديمقراطية عدة وأعضاء بالكونغرس لتأجيل صرف هذا المبلغ، نظراً لعدم إحراز النظام المصري أي تقدم في المجالات المرصودة على الصعيد الداخلي، بالإضافة إلى الإيفاء بالتعهدات السابقة من الرئيس الأميركي جو بايدن بعدم التعامل برفق مع الأنظمة القمعية، ونشر القيم الديمقراطية، خلال حملته للترشح للرئاسة الأميركية.
وتعتبر هذه المحطة الثانية على التوالي التي يُثار فيها الجدل حول استحقاق مصر للمعونة الأميركية الكاملة بمبلغ 1.3 مليار دولار سنوياً، والتي تُمنح لها بهذا الرقم منذ 34 عاماً، وذلك بعد موافقة بايدن أخيراً على منح مساعدات بقيمة 410 ملايين دولار تقريباً في الآونة الأخيرة. وهي مساعدات أُحيطت بجدل كبير داخل البيت الأبيض وبين قيادات الحزب الديمقراطي، الذين عمل بعضهم في المقابل على اتخاذ بعض الإجراءات التي تؤكد عدم قبول واشنطن لما يمكن وصفه بـ”التلاعب المصري” بهذا الملف، و”ادعاء الاستجابة” لكل المناشدات الأميركية.

الجناح المتشدد تجاه النظام المصري هو الأقوى في الإدارة الأميركية

وفي يوليو/تموز الماضي أحكم الفريق المتشدد تجاه النظام المصري قبضته على إدارة ملف المعونة الأميركية لمصر، بتعيين تامارا كوفمان ويتس مساعدة لرئيسة الوكالة الأميركية للتنمية الدولية لشؤون الشرق الأوسط، وهي التي عملت سابقاً في مكاتب الشرق الأدنى والشرق الأوسط بالخارجية الأميركية في فترة الربيع العربي، وصاحبة باع طويل في مناهضة سياسات النظام المصري بعد انقلاب يوليو/تموز 2013. وكان الإعلام الموالي للنظام يركز على كتاباتها في نهاية حكم الرئيس الأسبق باراك أوباما، للإشارة إلى دعم إدارته المزعوم لجماعة الإخوان المسلمين.

مع العلم بأن رئيسة الوكالة نفسها سامانثا باور عُرفت بمواقفها المعارضة لسياسات السيسي في فترة تمثيلها الولايات المتحدة بمجلس الأمن وبعدها، وتركيزها على ربط المساعدات لكل الدول بالديمقراطية وتداول السلطة، لكن كل هذا لم يؤثر سلباً على العلاقات المصرية الأميركية حتى الآن.

وأضافت المصادر المصرية أن الاتصالات الأخيرة شهدت تأكيداً على ضرورة اتخاذ بعض الإجراءات البارزة في الملف الحقوقي خلال الأسابيع القليلة المقبلة، وذلك لتخفيف الضغوط التي ستتعرض لها الإدارة الأميركية. وفي نفس الوقت شهدت رسائل طمأنة باستمرار صرف المعونة كاملة من دون حجز أجزاء منها، وذلك بالنظر للخطة التي ترى إدارة بايدن ضرورة تفعيلها في الشرق الأوسط، وترتكز في جزء منها على وساطة مصر القوية في عملية السلام، وتقاربها المستمر مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.

وذكرت المصادر أن من بين النصائح التي تلقتها مصر من الأوساط الأميركية “الصديقة” ضرورة إغلاق قضية التمويل الأجنبي للمجتمع المدني المعروفة برقم 173 لسنة 2011 والإفراج عن عدد من المعتقلين البارزين، والإسراع في إعلان استراتيجية حقوق الإنسان على المستوى الوطني، لكن السلطة المصرية ترى أن هذا كثير في الوقت الحالي، وترغب في عدم التوسع في تنفيذ مطالبات العواصم الغربية دفعة واحدة.

وأضافت المصادر أنه على الرغم من أن الظروف في الأراضي الفلسطينية والتغيرات الإقليمية المختلفة ورؤية بايدن وفريقه للشرق الأوسط في مرحلة ما بعد ترامب ورغبته في إخلاء المنطقة من الاستقطابات الحادة بين حلفاء واشنطن، قد فرضت جميعاً تواصلاً مباشراً بين البيت الأبيض والسيسي، إلا أن دائرة السيسي ما زالت راغبة في اختبار مدى اهتمام بايدن بمصر. كما تركّز على طبيعة الملفات التي ستؤثر على العلاقات من الجوانب الحقوقية والسياسية وكذلك الاستراتيجية والعسكرية، بموجب رؤية تسيطر على تلك الدائرة منذ بداية العام تقتضي الاحتفاظ بأوراق يمكن التفاوض عليها مستقبلاً. ولا تريد تلك الدائرة أن يكون التنازل عن الأوراق مكلف جداً، مع تفضيل أن يقتصر التنازل على ما يستجد من قضايا أو حالات ليست ذات أولوية متقدمة على أجندة النظام.

ومن بين الأوراق التي يحتفظ بها النظام أيضاً ويعتبرها ثمينة في التفاوض مع إدارة بايدن، ورقة المحبوسين السياسيين والجنائيين والممنوعين من السفر من حاملي الجنسية الأميركية. ويعتبر النظام أن من المناسب التنازل عنها حالة بحالة، أو على مراحل، حسب الأهمية السياسية، في فترات لاحقة عند ممارسة الضغوط. مع العلم بأن الفترة الأخيرة شهدت تخفيف القيود على بعضهم، في رسالة إيجابية للمراقبين الأميركيين.

الاتصالات الأخيرة شهدت تأكيداً على ضرورة اتخاذ بعض الإجراءات البارزة في الملف الحقوقي

وتسبب التعامل الأميركي الهادئ مع السلطة المصرية في الملف الحقوقي منذ تولي بايدن الحكم، وعلى عكس ما كان منتظراً، في توسع النظام في استخدام أدواته القمعية بالشرطة والقضاء مع تجاهل الإعلام المحلي لما يحدث، بل إن الخطاب الرسمي للنظام نفسه مضى قدماً في تحدي المفاهيم العالمية لحقوق الإنسان والمعارضة السياسية. في يناير/كانون الثاني الماضي حاول وزير الخارجية سامح شكري مغازلة الإدارة الأميركية الجديدة، قائلاً إن “مصر تشارك إدارة بايدن نفس الاهتمام بأوضاع حقوق الإنسان”. وكرر السيسي مرات عدة أن “حقوق الإنسان ليست سياسية فقط”، في إصرار على الترويج لما يسميه “حقوق الإنسان من المنظور المصري”، والتي تتضمن الحقوق الأساسية الدستورية للمواطنين من صحة وتعليم وغذاء ومسكن ووظيفة ومعاش. وأضاف أن المعارضة من أجل المعارضة غير مقبولة، وأنه يتعين على من يعارض “أن يعرف هو بيقول إيه”، فضلاً عن إصداره تعليمات بعدم توجيه انتقادات لسياسات الدولة العامة والخارجية، وحتى في قضية مصيرية مثل سد النهضة. وهو ما انعكس بمزيد من التضييق على الحريات السياسية والإعلامية المقيدة بصورة شبه كاملة.

وكان بايدن قد انتقد سابقاً أوضاع المعتقلين في مصر، فوجه إدانة لوفاة المواطن الأميركي من أصل مصري مصطفى قاسم في سجنه المصري مطلع العام الماضي، منتقداً تخاذل إدارة ترامب في التعامل مع تلك القضية. ثم عاد في تغريدة شهيرة في يوليو/تموز 2020 لشنّ هجوم مزدوج على الرئيس الأميركي دونالد ترامب والسيسي، فحمّل الأول مسؤولية اعتقال الشاب محمد عماشة لمدة 468 يوماً في السجون المصرية قبل الإفراج عنه بضغط أميركي، ومن جهة ثانية هدد بالتعامل بشكل مختلف مع السيسي حال فوزه بالرئاسة بقوله: “لا مزيد من الشيكات على بياض لديكتاتور ترامب المفضل”.