رنا خوري: الموسيقى الحديثة شجّعت الفنانين على التحرر

دائماً تظهر في تاريخ الأغنية العربيّة المعاصرة، بعض أصوات فنيّة تُجدّد مشاريع الأغنية العربيّة وتجعلها أقرب إلى المُستمع المعاصر عن طريق توليفها مع آلات موسيقيّة حديثة أو إعادة غنائها وتوزيعها. ما يجعلها تُبعث من جديد وتدبّ فيها حياة أخرى.

رنا خوري من أبرز هذه الأصوات التي جدّدت الأغنية العربيّة في السنوات القليلة الماضية من خلال سفرها الدائم عبر “الصوت”. لكنّ رنا خوري، وهي تتّجه صوب هذا المنزع الفنيّ، تظلّ مهووسة بالتجريب الغنائي والتنقّل بين ألوان غنائية تراثية من العالم العربي. وذلك منذ دراستها للموسيقى بمدينة حيفا وتأسيسها فرقة “جنون” التي أضحت من الفرق الغنائية الشابّة، التي تحظى باحترام مُتبادل داخل الساحة الغنائية الفلسطينيّة. عن بدايات مسيرتها الفنيّة وموقع الأغنية التراثية تحكي خوري لـ “العربي الجديد”.

– كيف ومتى ومن أين قدمت إلى عالم الغناء والفنّ عموماً من خلال أداء عيون من أغاني الطرب العربي وأعلامه؟

بدأت الغناء منذ الصغر في مناسبات عائلية والحفلات المدرسة. لكن بدأت مسيرتي الفنية باحتراف بعد انتهاء تعليمي الجامعي، حيث درست الموسيقى في جامعة حيفا. ودرست الغناء الشرقي والكلاسيكي بمجهود خاص ودروس لدى مدربين مختصين. وفي سنة 2004 تعرفت على زوجي الموسيقي درويش درويش، الذي لاحقاً أصبح شريكي في مسيرتي الفنية. فقد أقمنا فرقة “جنون” التي من خلالها قدمنا أغاني من عدة حضارات بتوزيع حديث. وذلك بهدف جذب المستمع وتعريفه على أغان غير مألوفة له. طابع الفرقة كان مميزا نوعاً ما والأوّل من نوعه في فلسطين وفتح لي الأبواب للمشاركة بعدّة مشاريع كالمهرجانات وأغاني الأطفال وأغاني المسرحيات والأفلام وغيرها. لكن في الأربع سنين الأخيرة عملت جاهدة لإنتاج أغان ومشاريع موسيقية خاصة بي. فقد أصدرت البومي الأول “وعود” وتضمّن أغاني خاصة بالتعاون مع عدة شعراء وملحنين من فلسطين وخارجها.

– درست الموسيقى بمدينة حيفا الفلسطينيّة. ما الذي تُقدّمه مثل هذه المدارس الفنيّة والمعاهد الموسيقيّة؟

بينما هنالك بعض المعاهد التي تدرّس الغناء والموسيقى بطريقة عملية إضافة إلى النظرية إلاّ أنّ تجربتي في الجامعة كانت نظرية فقط، وأكملت البحث والتثقيف الموسيقي بمجهودي الخاص. بحيث كان الالتحاق بدورات خاصة مع مدربين، وما تطلّب ذلك من بحث خاص. ولكن الأهم هو الممارسة والخبرة والتدريب. لا أنكر أنّ تعلّم العزف على آلة موسيقية يضيف جداً للتوجه الموسيقي للفنّان ولكنّه ليس شرطا. تعلمت العزف على آلة البيانو، ما ساعدني كثيراً في مسيرتي الفنية. بينما الموسيقى الحديثة سهّلت نوعاً ما على الفنانين الجدد وشجّعت على التحرر من قوالب الموسيقى الشرقية. إلا أنّ قراراتي في مسيرتي الفنية، هي عدم التخلّي عن مستوى موسيقي معيّن يقنعني بجودته أوّلاً قبل خروجه للنور.

– منذ صدور ألبومك الغنائي الأوّل “وعود” الذي دعمته مؤسّسة “عبد المحسن القطان” أضحى لرنا خوري جمهور واسع ليس داخل فلسطين فقط، ولكن بالعالم العربي ككلّ. كيف تشكّلت فكرة ألبوم “وعود”؟

كما ذكرت ألبوم “وعود” هو العمل الأوّل لي والذي يتضمّن عدّة أغان خاصة بي. إنتاج ألبوم كان جزءا من طموحاتي. لكن الأمر ليس سهلاً لمجموعة من الأسباب. أوّلها هو التمويل. لكن في النهاية بدا وكأنّي محظوظة بوجود مؤسّسة تدعّم الفنّ الفلسطينيّ والإنتاجات الخاصة وسعدت بدعم مؤسسة “عبد المحسن القطان” لهذا الإنتاج. طبعاً الخطوة الأصعب من ناحية مضمون الألبوم، هي البحث عن كلمات أغان يستطيع من خلالها الفنّان توصيل فكرة تمثله، حتى يشعر بالكلمة بعد أنْ تصل إلى المُستمع بسلاستها. هذا إضافة إلى أمر التلحين والتوزيع وهو مهم جداً للعمل للاشتغال على لحن يُلائم مضمون الكلام بطريقة ذكية وحسّاسة. وسعدت جداً بالتعاون مع شعراء وموسيقيين مبدعين، حيث كلّ منهم أضفى لمسته وإبداعه على جمال الأغاني.

– تمزجين بين أغان شخصية وأخرى تُعيدين استعادتها وتوليفها بصوتك، رغم أنّها تزداد جمالاً ومُتعة بالنسبة للمُتلقّي العربي. كيف تشعرين وأنت تدخلين عالم الآخر الغنائي واستعادته بكل تلك الطراوة والعذوبة؟

أعتقد أنّ لكل شخص بصمته الخاصّة وإحساسه المُنفرد. بما أنّنا ربينا على أغاني العظماء مثل فيروز، عبد الوهاب، وديع الصافي وغيرهم. وبما أنّه لديّ رغبة عارمة في البحث الدائم في تراث البلدان العربيّة عموماً. فأنا سعيدة لإعادة إحياء هذه الأغاني التراثية والقديمة بطابع جديد ويتلاءم مع أذن المستمع المعاصر.

– للجمهور العربي مكانة مهمّة في العملية الفنيّة على مستوى تلقّيها بالنظر إلى الأيديولوجية والفنيّة والجماليّة. بعد قيامك بالعديد من الجولات الغنائية داخل العالم العربي، هل تُؤمنين بأهميّة الجمهور وضرورته لإنجاح الحفلات الغنائية؟

بالنسبة لي الجمهور هو الأهم. والتحدّي الأكبر هو الجمهور، قبل كل حفل غنائي أسأل نفسي: من هو الجمهور؟ ماذا يحبّ أن يسمع؟ استمتاع الجمهور و”التكلّم” بلغته ضرورة مُلحّة جداً لإنجاح الحفل. لأنّي أستمد طاقتي منه خلال كل عرض موسيقي. وإنْ كان الجمهور مستمتعا ومتفاعلا، هكذا أستطيع أنْ أتواصل معه أكثر ومشاركته في الغناء.