بذور انتفاضة في وجه سعيّد: حراك لإنهاء الوضع الاستثنائي

بدأت منظمات وأحزاب وشخصيات تونسية كثيرة تخرج عن صمتها، متجاوزة حالة الشلل التي أصابتها طيلة الشهر الماضي. وفيما يستبسل الرئيس قيس سعيّد في الدفاع عن خياراته وقراراته في الداخل والخارج، معتبراً أنه ليس انقلابياً ويتحرك وفق الدستور، تتكثف مواقف القضاة والمتخصصين في القانون الدستوري، مصرّة على أن ما أقدم عليه هو انقلاب لا غبار عليه، وأنه نسف الفصل 80 من الدستور واستحوذ على السلطات، مثلما ذهب إلى ذلك القاضي أحمد صواب في تصريح صحافي. وصدرت مواقف مكثفة خلال الأيام الماضية تدافع عن الحريات وحقوق الإنسان ومكاسب الثورة، وتشدد على عدم التفرد بالسلطة وتدعو إلى توضيح خريطة الطريق وكشف نوايا الرئيس. في المقابل، هناك انطباع عام بأن ردود الفعل، منظمات وطنية وأحزاباً، كانت مخيّبة ولم ترق إلى مستوى الخطورة التاريخية التي تواجهها البلاد، وحجم الخسارة الكبير الممكنة إذا تواصل الوضع على ما هو عليه.

دعوات لفصل تونس عن سياسة المحاور في الإقليم المغاربي

وتصاعدت في الآونة الأخيرة دعوات متعددة لخلق حراك وطني يدافع عن المكسب الديمقراطي ويحذر من الانحراف بالتجربة التونسية، وأطلق النائب عن التيار الديمقراطي، عياشي زمال، صيحة بسبب هذا الصمت الغريب والتردد والغموض. والعياشي هو رئيس لجنة الصحة والشؤون الاجتماعية بالبرلمان، وسأل في حديثٍ لـ”العربي الجديد”: “لماذا اليوم وبعد مرور شهر على 25 يوليو/ تموز الماضي، كل هذا التردد والغياب للأحزاب السياسية ورؤسائها عن الإدلاء بمواقفهم؟ لم نر مواقف النواب ولا المنظمات، لا من اتحاد رجال الأعمال برغم منع عدد منهم من السفر ولا من اتحاد الشغل لموقف واضح”. وقال: “هل إننا جميعاً متورطون إلى هذا الحد في الفساد، أو هو بسبب الخوف أم الانتهازية التي تنتظر من سينتصر لتلتحق به؟”. وأشار إلى أنه في غضون ذلك “تونس بلا حكومة منذ شهر والمحافظات بلا محافظين، والإدارة تقريباً مشلولة، وهي بوجود الحكومة والمسؤولين لم يكن مردودها جيداً فكيف اليوم؟ مصالح الناس تعطلت وهناك إهدار للمال العام بإغلاق أبواب الحكومة لشهر كامل، ويتواصل الوضع كأن شيئاً لم يكن”.

وتابع زمال: “تساءلت أيضاً عن الهيئات الدستورية التي تكلف المجموعة الوطنية ملايين الدنانير ودورها الأساسي حماية المسار وحماية الديمقراطية، ولكنها اليوم بقيت صامتة، فهل هذا كله بسبب الصدمة منذ 25 يوليو؟”. وشدّد على وجوب تقديم “المنظمات والهيئات مواقفها بوضوح، وأن نحل الوضع داخلياً قبل التدخل الخارجي بعد تزايد المواقف المنظمات الخارجية في الفترة الأخيرة”، داعياً إلى “تحرك المنظمات الحقوقية والمجتمع المدني، القوي في تونس، والمنظمات الوطنية. علينا جميعاً أن نتحرك”. وتمنى “أن ينجح الرئيس، لأن في ذلك نجاحاً لتونس، ولكن أعتقد بشكل راسخ أنه لا يستطيع وحده فعل ذلك، لأن المسؤولية جسيمة وكبيرة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والصحي”. وأشار إلى أنه “منذ 25 يوليو سجلنا أكثر من 4500 وفاة بوباء كورونا، ولم نسمع الأطباء والإعلام يتحدث عن ذلك، رغم تقدمنا في مسألة التلقيح”. وحذّر زمال مما سماه “صمتاً مريباً”، مبدياً خشيته من “أن يصبح الوضع صعباً وتسوء الأمور، بالنظر إلى وضع المنطقة المتوتر ككل، في الجوار الليبي والجزائري والمغربي”. وتابع: “نلاحظ عودة تشكّل المحاور من جديد من خلال زيارات قيادات عليا من الإمارات إلى تركيا وقطر، وبعض الشركات التي حولت مقراتها من الإمارات للسعودية. هناك تحوّلات في المنطقة لا يجب أن تكون تونس جزءاً منها، ولا يجب أن ندخل في سياسة المحاور”. واعتبر أن “الأحزاب غائبة كلياً وليس لدينا أحزاب ولا نخب سياسية، ولا وجود لحوارات عميقة وحقيقية بين النخب في الإعلام حول القضايا الحقيقية”.

بدوره، اعتبر مؤسس الحزب الاشتراكي التقدمي، الذي أصبح الحزب الجمهوري بعد الثورة، أحمد نجيب الشابي، أن التشاور شمل أحزاب التيار الديمقراطي، وآفاق تونس، والجمهوري، والتكتل، وحزب أمل، وشخصيات مستقلة، واتحاد الشغل. وأضاف في حديثٍ لـ”العربي الجديد”، أن “التحول الذي حصل لم يكن منتظراً، واليوم هناك استفاقة وبداية تشكّل موقف، لأن التخلص من الماضي لا يكفي، إذ يجب أن نعرف إلى أين نسير في المستقبل”. وأكد أنه “من الواضح أننا في الطريق الخطأ وفي طريق الحكم الفردي بعد تجميد البرلمان وحل الحكومة وإقصاء القضاء أو محاولة توظفيه. وهناك شخصيات وطنية موقوفة بسبب تدوينات وجرائم رأي، بقطع النظر عن المضمون، إلى جانب الاعتقالات العشوائية والمنع من السفر، وكل هذا مقلق ويدفع الناس للتعبير عن تخوفاتهم وقلقهم”. واعتبر الشابي أن “هناك تخبّطاً من الجهة المقابلة من قبل رئاسة الجمهورية، فلا أحد يعلم ما هي الخطوات التالية”، معتبراً أن “الزيارات الفجائية التي يقوم بها الرئيس لمخازن تجميع المواد الغذائية لا تقوم مقام سياسة اقتصادية واجتماعية، مع الوضعية المالية المعقدة لتونس”. وأضاف “تأخرنا عن صرف الاعتمادات لشهر أغسطس/ آب الحالي والإشكالية الكبرى ستكون في شهر سبتمبر/ أيلول المقبل، والدولة تتجه إلى الاستدانة من السوق الداخلية، وهذا خطر كبير”. ولفت الى أن “السياسات الحالية لا تشجع أصحاب المؤسسات على الاستثمار”. وشدّد على أنه “لا بدّ من حكومة إنقاذ وطني حقيقية تحظى بالثقة وتتمتع بالكفاءة، والتشاور حول إصلاحات النظام السياسي والانتخابي وعرضها على الاستفتاء، وتنظيم انتخابات عامة رئاسية وتشريعية ومن يختاره الصندوق هو الفائز ونقبل به”.

ويتحدث البعض عن بداية مراجعات في الأوساط السياسية التونسية، حتى في صفوف مساندي سعيّد. ويعتبر الوزير الأسبق محمد عبّو، مؤسس حزب التيار الديمقراطي، من أكبر داعمي سعيّد، ومن بين الداعين بوضوح إلى تفعيل الفصل 80 قبل 25 يوليو. لكن بعد قرار سعيّد تمديد الحالة الاستثنائية، كتب عبّو على صفحته في “فيسبوك”: “رئيس الجمهورية إلى حد الآن يصرح بأنه يعمل في حدود الدستور، وبعض التونسيين لا أعرف من أين جاؤوا بكل هذا الاستهتار يدفعونه إلى تعليق العمل بالدستور على أساس أنه سبب مشاكلنا وتخلف مسارنا وعلى أساس أن تعليق الدستور جائز. هناك نخبة أن تدفعه إلى المجهول وإلى استبدال الشرعية بفرض أمر واقع بالقوة وإلى خيانة يمين أداه”.

مخاوف من شحّ الأموال في الخزينة التونسية في سبتمبر

وتتجه الأنظار إلى الاتحاد العام التونسي للشغل، بحكم ثقله التاريخي والشعبي والسياسي. وقال المتحدث الرسمي باسم الاتحاد سامي الطاهري إن قرارات سعيّد بتمديد العمل بالأحكام الاستثنائية لم تفاجئ المنظمة وكان الأمر متوقعاً، مشيراً في حديثٍ لـ”العربي الجديد” إلى أن “المنظمة تتريث قبل الإعلان عن أي موقف رسمي بشأن الأزمة السياسية في البلاد”. وأكد أن الاتحاد لا يزال متمسكاً بإنهاء العمل بالأحكام الاستثنائية، وذلك بالمرور إلى مرحلة أكثر وضوحاً، رافضاً القرارات التي تمدد وضع الترقب أو الانتظار. ورأى الطاهري أن “الأيام الـ30 التي مضت منذ إعلان سعيّد تجميد البرلمان وإقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي لم تكن كافية لتوضيح الرؤية للمرحلة القادمة، لا سيما بشأن مصير البرلمان والقانون الانتخابي ومصير العمل بأحكام الدستور الحالي أيضاً”. واعتبر أن “هذه المسائل كان بالإمكان التشاور حولها”. وأضاف أن “الاتحاد العام التونسي للشغل لا يزال متشبثاً بخريطة الطريق رغم استهزاء الرئيس سعيّد بها”، معتبراً أن “الحلول التي ستطرح عبر خريطة الطريق ستكون شمولية وعملية سياسياً وقانونياً”. وقال إن “غياب مخاطب حكومي رسمي في الوقت الحالي يؤجّل كل التحركات النقابية أو المطالب التي يمكن أن يقدمها الاتحاد العام التونسي للشغل، من أجل تحسين الظروف الاجتماعية للمواطنين أو إنقاذ الوضع الإقتصادي في البلاد”. ولفت إلى أن “عدم تعيين رئيس حكومة وغياب برنامج حكومي يضع الاقتصاد في مواجهة المجهول ويزيد من تعقيد الوضع التونسي”. وحذّر من توسّع ما وصفه بـ”الثقب الأسود “الذي قد يبتلع كل يوم جسماً جديداً، ويزيد في الهشاشة وينفر المستثمرين من مناخ الأعمال ويؤدي إلى انفجار اجتماعي جديد يهدد البلاد”.