بيروت عام 1890: مجتمع طبقي ومدينة متفرنجة

كتبنا في مقالة سابقة عن وصف الرحالة المصري أحمد أفندي سمير لمدينة دمشق عندما زارها في العام 1890، وها نحن نتابع وقائع رحلته إلى بلاد الشام التي عنونها بـ “سفير السلام في بيروت والشام”، والتي نشرها في جريدة المؤيد القاهرية في العام نفسه، قبل أن تعيد الجريدة طباعتها ضمن كتاب “منتخبات المؤيد” الصادر عام 1906. وأحمد سمير واحد من الثوار العرابيين، تعرض للملاحقة على يد الإنكليز، وتخفى فترة، وكان من المقربين من الأديب وخطيب الثورة العرابية عبد الله النديم.

عند حديثه عن مدينة بيروت التي وصل إليها قادماً من الإسكندرية عبر ميناء يافا كتب يقول: “إنها الآن أهم الثغور السورية وأكثرها عمراناً وأنماها سكاناً، وقد أوصلتها المواصلات التجارية بينها وبين كثير من الممالك أن صارت عاصمة البلاد الساحلية، كما أن دمشق عاصمة البلاد الجبلية”.

ويحدثنا عن الوضع الإداري لبيروت وسعي البيروتيين الحثيث للانفصال إدارياً عن دمشق “وتقسيم ولاية سورية إلى ولايتين؛ الأولى ولاية الشام وقاعدتها دمشق، وواليها من الدرجة الأولى. وثانيتها بيروت وهي القاعدة، وواليها من الدرجة الثانية”. ويضيف: “فلما أدرك أهل بيروت بعض آمالهم، وفاتهم من رغبة الانضمام إلى لبنان (يقصد متصرفية جبل لبنان) البعض الآخر؛ قنعوا بما وجدوا ميسوراً، ولكن اشرأبت أعناقهم، وشحيت أفواههم، وطالت آنافهم فتعاظموا، وتناسوا تابعيتهم الأولى، وأصبحوا يفخرون بهذا الانفصال سكارى بخمر الفرح، ولهم العذر في ذلك، فلكل جديد لذة”.

طبقات البيروتيين
ولاحظ رحالتنا أن البيروتيين ينقسمون إلى ثلاث طبقات، لا تعاشر إحداها الأخرى البتة، كما يقول، وهي طبقة الذوات، وطبقة الأوساط، وطبقة العامة. وحول طبقة الذوات يقول: “هم أرباب الرتب والمناصب العالية وكبار التجار، فلهم مجامع خاصة بهم من ضمنها منتدى يسمونه (السركل)، فيجتمعون فيه كل ليلة لمعاقرة الراح والمقامرة، فتراهم والأوراق كالكؤوس دائرة عليهم، وهم ما بين ضاحك مستبشر، وعبوس مكشر، وكلهم في فنون اللعب متفنن، وكأنما أيديهم متحركة بحركة كهربائية، وقد تقاسمت مع أعينهم الخطف والبريق حتى إذا انتصف الليل أو كاد، أقبلت عرباتهم تجرها الخيول المسومة، فوقفت بالباب لانتظارهم والجار والمجرور كلاهما متعلق بفراغ أكياس وامتلاء أخرى، وإذ ذاك لا يكون مانع من الانصراف، فيتفرق الجمع، وهو من معاودة التلاقي في الليلة التالية على ميعاد”.

ويضيف: “كم أفقرت أعمال هذه الطبقة قوماً وأغنت آخرين، ولكن أغلب من استغنوا منها هم من اليونان الذين ضاقت بهم سبل المعيشة، وسدت دونهم أبواب الحيل في مصر؛ ممن كانت صناعتهم فيها المقامرة لأكل أموال الناس بالباطل، فلما أعجزهم البقاء، نفروا جماعات ووحداناً إلى بيروت ليعوضوا ما زعموا أنهم خسروه في مصر، فلا أدري عاقبة هذا الانتقال وعلى المستقبل البيان”.

وفي توصيفه لحال الطبقة المتوسطة التي يسميها “طبقة الأوساط” يقول إنهم الصنف الثاني من التجار، ومن له شهرة لا تؤهله لمجالسة أهل الطبقة الأولى، وهؤلاء تكون اجتماعاتهم في البيوت أو القهاوي أو الحانات، كل على حسب ما اعتاده، وأحاديثهم مقصورة على أحوال أشغالهم ومكاسبهم.

أما طبقة العامة فيقول إنهم “صغار الناس، وأرباب الحرف والصنائع الدنيئة، وهؤلاء هم العدد الأكثر والعنصر الأكبر كما هو الشأن في كافة الممالك. وليس لاجتماعهم مركز مخصوص، ولكن قلما يجتمعون في غير الحانات المبتذلة، ولا هم لهم في محادثاتهم إلا الكلام على متاعبهم، وما عسى أن يكونوا في يومهم قد ربحوه، مع الطعن والتنديد على رجال الطائفتين الأوليين، وتعداد مساوئهم، والسكوت عن محاسنهم، شأن كل ضعيف مهين. ومع ذلك هم أنعم الناس بالاً، وأرضاهم عيشة، وأقربهم إلى السكون لمجتمعات الطرب التي يخرجون إليها رجالاً ونساء إلى بعض المنتزهات في الضواحي، حيث يشربون ويطربون، فربما غنى بعضهم شيئاً لا يرضاه الآخر فحسب ذلك إهانة له، هنا تبرق الأحداق، وتزبد الأشداق، وتغلظ الحناجر، وترفع الأصوات، وتمتد الأيدي، وتقوم قامة التشاجر بتعصب فريق لهذا، وآخر لذاك، فينوب التضارب بينهم مناب الإنذار، ثم تنقلب حرباً عواناً بين الفريقين يتخذون فيها الخناجر للطعن، والرصاص للضرب حتى تنجلي الواقعة عن جريح مزمل بالدم، أو قتيل في عالم العدم. فيستحيل الطرب حرباً والسرور شروراً، وكأن لم يحصل شيء، فإن القتل عندهم ليس من الجرائم الإنسانية، وإنما هو نوع من أنواع الانتقام”.

ويخبرنا بأن عدد سكان بيروت يبلغ نحو مائة ألف نسمة، ربعهم من المسلمين، وأغلب الباقين مسيحيون من مختلف المذاهب، ويقول إن النصرانية لم تتشعب طرقها في قطر من أقطار المسكونة تشعبها في البلاد السورية، وبعبارة أخرى النصرانية لم تجتمع بأسرها إلا هناك. ويقول إن اليهود أقلية قليلة.

حال التعليم
وينتقد أحمد سمير حال التعليم في بيروت، وخصوصاً المدارس الحكومية، ويخبرنا عن مرحلتين: المكاتب الرشدية التي يدرس فيها الخط واللغة التركية وشيء من العربية وبعض العقائد الإسلامية الضرورية، والمكتب الإعدادي، وهو مثل المدرسة التجهيزية في مصر، كما يقول، حيث يعد التلميذ لدخول مدرسة الطب أو غيرها من المدارس العالية التي لا وجود لها في غير الأستانة العلية.

ويشير إلى أن خلو بيروت من المدارس الحكومية العالية، ويقصد بذلك الكليات الجامعية، لا يعيبها، “فإن ذلك فيما عدا مصر من الممالك المحروسة عام، ولكن كانت عاقبته أن المبعوثين البروتستانت والجزويت من جالية أمريقة ومستبعدي فرنسا وغيرهم قد شادوا لهم مدارس عظيمة العمارة، شاهقة البنيان، واسعة الأرجاء، ضخمة الهيئة كأنما هي حصون حربية، وقد وسموها بالكلية، وأخذوا يدرسون فيها ما يدرس في أعظم المدارس العالية من الفنون المهمة؛ كالطب والهندسة، والجبر العالي، والعلوم الأدبية كالصرف، والنحو، والمعاني، والبيان، وإحدى اللغتين الفرنسوية والإنكليزية أو كلتيهما. ولا يخفى أن التلميذ لا يطلب في مدارس الأستانة زيادة عما يمكنه الوصول إليه في تلك المدارس، خصوصاً مع اتخاذ أربابها نحو الخطابة، وتمثيل الروايات على مرأى ومسمع من الناس طريقاً لجذب القلوب، فأقبل عليها الطلاب من كل حدب ينسلون، فرحين مستبشرين، حتى غصت نواديها لكثرة المنتابين لها كل عام”.

ولكن أحمد سمير يبدي استهجانه الشديد من أن القائمين على وظائف التعليم هم من الأجانب الذين تعلموا العربية بطول العشرة والمخالطة، وفوق ذلك صاروا “يعلمونها للعرب في بلاد عربية”. ويقول: “هل بلغ باللغة العربية الضعف، وغلبت عليها ألسن الفساد حتى أصبح الأميريقي والأوروبي هو المتكلم في فصاحتها وبلاغتها، والبيروتي واللبناني يأخذانها عنه فيصلحان من ألسنتهما بعض الإصلاح، وينطقان اليوم بغير ما كان ينطق به أسلافهما من نحو عشرين عاماً؟”. ويتحدث رحالتنا عن تأثير هذا التعليم على الطلاب الذين يتعصب بعضهم للبروتستانتية والآخر للكاثوليكية، ناهيك عن الولاء لأميركا أو لفرنسا، بحسب المدرسة التي درس فيها.

التوجهات السياسية وحال الصحافة
ينتقل أحمد سمير للحديث عن توجهات البيروتيين السياسية فيقول: “أهل بيروت في المشارب ثلاثة أقسام، الأول العثماني، وهو الذي يرى أن الدولة العثمانية هي وحدها صاحبة البلاد بحق الفتح، لها السيادة العامة عليها، والحكم المطلق فيها، لا يجوز لدولة من الدول أن تنازعها السلطة، أو تشاركها في أعمالها الداخلية، وأهل هذا القسم هم المسلمون، وكل من لم تقض عليه التربية في المدارس الأجنبية بكفران النعمة والمكابرة في المحسوس، فما جزاء الإحسان إلا الإحسان. والقسم الثاني فرنساوي وهو من تعلم في مدارس الجزويت أو نحوها من المدارس التي طرد أربابها من فرنسا ليستعمروا الأفكار في الديار الشرقية، علماً بأن استعمار الرجال أهم من استعمار الأوطان. والقسم الثالث الإنكليزي، وهو من تربى في مدارس الأميريقيين من المارونيين أو الروم الأرثوذوكس الذين حملتهم الفاقة على ترك مقعد آبائهم، والدخول في المذهب البروتستانتي حفظاً لأسباب الحرية، وطمعاً في نيل السعادة”.

ويحمل أحمد سمير القسمين الأخيرين المسؤولية عن تفشي التفرنج في بيروت، فيقول إنه بعد أن كان الرجال والنساء يرتدون ملابس محلية تشبه تلك الموجودة في مصر، تغير ذلك الآن في بيروت فاقتدوا في أزيائهم بالنزلاء (أي الأجانب) “فترى الرجل يمشي بالملبوس الإفرنجي متأبطاً ذراع امرأة متبرجة مائسة في حلة أوروبية مرفوعة من الخلف بعظامة (ما تكبر به عجيزتها) حتى تعطلت بذلك صنائع البلد، وبات عدد عديد من صناعها لا يجد قوت يومه، فيبيت طاوياً يندب حظه، ثم إذا جاء اليوم الثاني فتح حانوته، ولبث ينتظر الفرج، فإذا مر به أحد من الناس ورآه وهو كئيب، وحانوته يصفر من الفراغ قال هذا جحر ضب خرب”.

ويفصل الرحالة المصري في أوضاع الصحافة البيروتية والطباعة فيقول إن للحكومة جريدتين رسميتين هما بيروت وحديقة الأخبار، ولأهل البلد ونزلائها سبع؛ اثنتان إسلاميتان هما “ثمرات الفنون” و”بيروت”، وهي غير الرسمية وأقدم منها، وواحدة درزية هي “مجلة الصفاء”، وما عدا ذلك فللمسيحيين بين دينية وسياسية.

ويضيف: “كانت الجرائد المسيحية هناك منذ بضع سنين إحدى عشرة ثم نزلت اليوم إلى أربع، لأن منها ما ألغته الحوادث، وما مات القائمون بتحريره غير تاركين خلفاً لهم، وما أُكره أربابه على المهاجرة إلى مصر أو غيرها من الأقطار، وأكثر أرباب تلك الجرائد ومحرريها من اللبنانيين (أهالي متصرفية جبل لبنان). وقد ترتب على كثرة الجرائد كثرة المطابع والتنافس في إتقانها إلى أن صارت من الجودة بمكان. ولكن ليس للتصحيح في واحدة منها حظ وعلى الخصوص مطبعة الجزويت التي تحرف الكلم عن مواضعه، ولا تخلو مطبوعاتها من الغلط في الشكل إلا ما يتولى مؤلفه تصحيحه بنفسه على شرط أن يكون من علماء المسلمين، فأما ما يصححه المبعوثون فقلما سلمت صحيفة واحدة منه في ضبطها من خطأ أو خطأين”.

هجاء بطرس البستاني
يصب أحمد سمير جام غضبه في المجال اللغوي على المعلم بطرس البستاني (الصورة) “اللبناني الأميركي صاحب محيط المحيط في اللغة، ودائرة المعارف وغيرهما من الكتب الطنانة الرنانة على تباين ما تبحث فيه. أما محيط المحيط فهو ضربة قاضية على اللغة العربية، فقد أفسدها بما يزعم به إصلاحها وبعدها على الطلاب من حيث يحاول تقريبها، فإنه أغار على مغني اللبيب فأخذ معاني الحروف منه على علاتها، ثم تابع صاحب القاموس خطوة خطوة بلا تدبر ولا انتقاد زائداً على ذلك بعض ألفاظ لم يفرق فيها بين العربي والدخيل، والمحدث، والمولد، والعامي، معرفاً الموز بأنه شجر مربع مما لا ينفع المطالع، ولا يقنع المراجع.. وأما دائرة المعارف فيكفي في وصفها أن بعض أفاضل بيروت لما اطلع عليها كتب على أول صحيفة منها بيتاً مفرداً لا تقوم قصيدة طويلة بمعناه وهو: شن الزمان على المعارف غارة * فلذاك قد دارت عليها الدائرة”.

ويستطرد في الحديث عن تعقيدات الرقابة على المطبوعات من جانب مجلس معارف الولاية، ثم ينتقل للحديث عن شركة حصر التبغ والتنباك، وروتين القضاء والمحاكم، عاقداً المقارنة بينها وبين محاكم مصر الأهلية التي أسستها الحكومة الخديوية على قواعد ثابتة من العدل والإنصاف والاستقامة، كما يقول.

عمران بيروت
يستعرض سمير الصناعات الموجودة في بيروت كمناسج الحرير والصوف والقطن، وبعض المصنوعات الحديدية التي يقارنها بمصنوعات أوروبا، وكذلك خرط الأخشاب، أي صناعة الأثاث. ويقول إن بيروت تشرب من نهر الكلب حيث تم إدخال المياه إلى البيوت بواسطة أنابيب حنفيات توزعه آلة بخارية معروفة بالوابور أو الماكينا على قدر الحاجة. ويشير إلى أن إنارة بيروت بالغاز دون عامة البلاد السورية، لكنها إنارة لا تشمل كل بيروت، فالكثير من البيوت تستنير بزيت البترول كما يقول. أما المقاهي والملاهي والمطاعم والفنادق فكثيرة متفاوتة الدرجات، فيمكن كلا من المقتصد والمعتدل والمسرف أن يعيش فيها ما يشاء من المصرف دون أن ينقد عليه أحد.

ويمتدح رحالتنا أهل بيروت وإقدامهم على العمل، والجد في الطلب، والجرأة على اقتحام الأخطار والمشقات في اجتلاب الرزق، ويقول: كأنما تعلموا ذلك من جيرانهم اللبنانيين. ويبدي إعجابه الشديد ببيوت بيروت الجديدة كالتي في البرج والرأس، وهي أول ما يظهر للداخل من البحر إلى البلد من الجهة الغربية، وهي كما يقول، عالية البناء بهية المنظر، واسعة الحجر، كثيرة المرافق، منتظم بعضها إلى جانب بعض كأحسن البيوت الغربية. أما شوارعها الحديثة فهي طويلة، وعريضة، ونظيفة، مرشوشة مزينة بالأشجار غالباً، وفيها أجمل البيوت وأجلها. ولا ينسى أن يشير إلى مرسى بيروت الذي يعده من محاسن العصر.