مقتل الجزائريّ جمال بن إسماعيل .. وكلب بافلوف

الجريمة الشنعاء التي ذهب ضحيّتها الشّاب الجزائريّ جمال بن إسماعيل (38 سنة) من مدينة مليانة (80 كم غرب العاصمة) يوم 11 أغسطس/ آب الجاري، والتي تابع الجزائريون تفاصيلها المروّعة، ونقلت تفاصيلها معظم وسائل الإعلام العالميّة لوحشيّتها، ذكّرتني بقصّة مقتل لوني، مدير سجن الباستيل في أثناء الثّورة الفرنسيّة. بعدما استولت جماعة من الثّائرين على السّجن، أحاط بعض من أفرادها المدير، وانهالوا عليه ضربًا، وكلّ واحد منهم يقترح إمّا شنقه أو ضرب عنقه أو ربطه في ذيل فرس حتى الموت، وبينما المدير يحاول الهروب من بطش الثّائرين، رفس أحد أفراد الجماعة، فاقترح أحدهم بأن يقطع المضروب رأس الضارب، فوافقت الجماعة. وحسب أحد الرواة، كان المضروب طبّاخا أبله عاطلا عن العمل يُدعى دينو، ذهب إلى “الباستيل” لينظر ماذا يجري هناك، فلمّا سمع ما أجمعت عليه الجماعة، اعتقد أنّه سيؤدّي واجبًا وطنيًا، فتناول من أحد أفراد الجماعة سيفا غير مشحوذ، وضرب به عنق المدير، غير أنّ السّيف لم يُعط أيّ نتيجة، فأخرج من جيبه سكّينا صغيرة، وبدأ في قطع جسم المدير حتى الموت، بعدها فصل جزّار، اسمه ماثيو جوف جوردان، رأس المدير عن جسده، ووضعه فوق قضيب، وجاب به شوارع العاصمة باريس.
كشفت جريمة قتل جمال بن إسماعيل أنّ المغدور به لم يكن وحده الضّحيّة، إنّما كانت الجماعة التي شاركت في الجريمة الضّحيّة الثّانية، وكان المواطن الجزائريّ الضّحيّة الثّالثة. وتؤكد المقالة هنا أوّلاً هنا على نقطة قانونيّة مهمّة، أنّها تستثني الأفراد الّذين قبضت عليهم قوّات الأمن، واعترفوا صراحة باقترافهم الذّنب، وبانتمائهم إلى جماعة الحركة من أجل الاستقلال الذّاتيّ لمنطقة القبائل (MAK)، أو لحركة رشاد، اللّتين وضعهما القانون الجزائريّ على قائمة المنظّمات الارهابيّة، باعتبار أنّ القضيّة قيد التّحقيق وبين أيدي العدالة. 
الضّحيّة الثّانية لهذه الجريمة الجماعة نفسها التي كانت حاضرة في مسرح الجريمة، سواء الأفراد الذين حرّضوا على القيام بذلك الفعل اللاإنسانيّ، أو الذين صوّروه، أو أشادوا بهذه الجريمة، أو نشروها عبر مواقع التّواصل الاجتماعيّ، أو روّجوا كلّ ما له علاقة بها، سواء بالكتابة، أو بالصّورة، أو بالفيديو، من دون نسيان الذين سجّلوا حضورهم في ساحة الجريمة ولم يفعلوا أيّ شيء، باعتبار أنّ كلّ قوانين العالم تُجَرّم كلّ شخصٍ لا يقدّم يد المساعدة لآخر يوجد في حالة خطر.

الحضور في ساحة الجريمة كانت قلوبهم ميّتة ومختوم عليها، وعقولُهم متحجّرة

يستحيل، بحسب علم النّفس وعلم الاجتماع وعلوم الإعلام والاتصال، اعتبار أفراد هذه الجماعة جُناة أو مساهمين في الجريمة. بالنّظر إلى الدّوافع والأهداف والظّروف التي أحاطت بالجريمة، بل إنّنا ساعتها لو سألنا أيّا من الحاضرين عن رأي الدّين في ما وقع، لأجابنا بأنّه القصاص الإلهيّ العادل.
الثّابت أنّ الحضور في ساحة الجريمة كانت قلوبهم ميّتة ومختوم عليها، وعقولُهم متحجّرة. ومعلومٌ أن العقل المتحجّر تتوقّف لديه مَلَكَة التّفكير، ويؤمن فقط بصحّة كل ما في عقله، وهذه العقول كانت انعكاسا صارخًا لرأيٍ عامّ لأقليّةٍ مُنقادةٍ أرادت القيام بفعل معبّر عن أغلبيّة الجزائريين الّذين كانوا يطالبون وبشدّة، عبر مواقع التّواصل الاجتماعيّ ووسائل الإعلام العموميّة منها والخاصّة، بتسليط أقسى العقوبات على كلّ من تسبّب في إشعال حرائق الغابات، وذهب كثيرون إلى حدّ المطالبة ليس فقط بإنزال أقصى العقوبات، إنّما اعتبروا أنّ القصاص العادل الوحيد هو إحراقهم.
حالة الانفعال التي كان عليها أفرد تلك الجماعة شبيهة بالتي ذكرها ج. سارجنت في كتابه “علم النّفس الحديث”، عندما وصفها بأنّها محرّك حقيقيّ لغرائز الأفراد التي تشكّل جزءا من بنيتهم العقليّة التي صوّرت لهم أنّ الانتقام من المرحوم جمال بن إسماعيل، باعتباره مجرما أحرق الزّرع والنّسل، واجب وطني، وقد أسهب سارجنت في ذكر أمثلةٍ كثيرةٍ عن جرائم ارتُكبت باسم الوطنيّة وتحت شعار التّضحية من أجل الوطن وأمنه، وذكر أنّ أرواحا عدّة أزهقتها الجماعات، بعدما خُدّرت بعاطفة الوطنيّة.

الفرد عندما يُشحَن داخل جماعة يتحوّل إلى برميل بارود قابل للانفجار في أيّ لحظة

لا يمكن لأيّ جزائريّ، أن يُنكر أنّ الشّعب الجزائريّ يعيش في عنق الزّجاجة، ودخل في حالة هستيريّة بعدما ضاقت به السّبل، فلا استقرار سياسيّا، ولا نموّ اقتصاديّا، ولا استتباب أمنيّا، ولا مستوى معيشيا كريما. وزاد الطّين بِلّة، زحف وباء كورونا الذي بات يحصد أرواح الجزائريين مع عجز السّلطات عن توفير الأوكسجين في تلك الفترة، رافقه انقطاع ماء الحنفيّات في أيام صيفٍ ملتهبة الحرارة، واشتدّ به الضّيق، لتكون الحرائق التي اشتعلت في مختلف المناطق، وأتت على الأخضر واليابس، وأودت بحياة عشرات النّاس القشّة التي قصمت ظهر البعير، وكان تأكيد التّحقيقات أنّ النّيران تتمّ بفعل فاعل بمثابة دعوة صريحة لبداية حملة قنص المتسبّبين في الحرائق.
الحدث المروّع هذا ليس ميزة جزائريّة، أو خاصّيّة لمنطقة معيّنة، فقد أكدّت دراسات الباحثين الأميركيين أنيس وماير (A. B. Annis – MC. Meier)، أنّ الفرد عندما يُشحَن داخل جماعة يتحوّل إلى برميل بارود قابل للانفجار في أيّ لحظة. وأحسن مثال على ذلك الحملة الشّرسة التي قادها السيناتور الأميركي، جوزيف مكارتي، ضدّ الشيوعيين الأميركيين، مثلما لاحظ قبلهما الباحث إيبوليت تين (Hippolyte Taine)، أنّ اليعقوبيين في فرنسا استطاعوا، باسم الحرية والمساواة، إقامة استبداد، وتكوين محكمة شبيهة بمحكمة الاضطهاد.
أوحجت جريمة قتل جمال بن إسماعيل حالة شبيهة بالحملة المكارثية لدى المواطن الجزائريّ بلغت حدّ الهستيريا أمام هول ما وقع، وأصبح شغله الشّاغل تتبّع بدهشة وتعجّب وحيرة كلّ ما تنشره مواقع التّواصل الاجتماعيّ عن كلّ ما له علاقة بالجريمة، ويساهم في إعادة نشر كلّ ما تقع عليه عيناه، من دون تحقّق من مصداقيّة المصدر أو موضوعيّة المنشور ومدى صِدقه، ويتابع بشغف سلسلة التّحقيقات التي كانت تعرض متّهمين يعترفون بذنبهم.

حوّل “فيسبوك” المواطن إلى كلب بافلوف، وأمسى وسيلةً لتضليل الحقائق وتعتيمها عن قصد أو عن غير قصد

الضّحيّة الثّالثة في مقتل جمال بن إسماعيل هو المواطن الجزائريّ الذي ذهب ضحيّة مواقع التّواصل الاجتماعيّ التي استماتت في نقل عدوى ضرورة التّصدّي ومجابهة كلّ متسبّب في الحرائق. والعدوى في علم الاجتماع هي الأصل في انتشار أفكار الجماعة، لا الحجج والبراهين، لأنّ الأفراد يؤمنون بالمثال أكثر من البرهان، والفرد في الجماعة كالحيوان يميل بطبعه إلى التّقليد، شرط أن يكون هذا التقليد سهلا. وبما أنّ الجماعة تتميّز معتقداتها بالخضوع الأعمى والتّعصّب الوحشي والإكراه في الدّعوة، فهي متجرّدة من التعقّل والتّأمل، ولا تستطيع التّمييز بين المعقول واللامعقول. وغالبا ما يكون اللامعقول أشدّ وقعا في النّفوس، وهي لا تتعقّل إلاّ بالتّخيّل، ولا تتأثّر إلا بالصّور التي تُفزعها وتجتذبها وتكون سببًا لأفعالها، والذي يؤثّر في خيال الجماعة أكثر هي تلك الصّور الأخّاذة الغامضة غير المصحوبة بشرح أو تفصيل، إذ إن تأثير صورة تمثّل جرما كبيرا أروع من صورة تمثّل مائة جرم صغير أو بسيط. 
حوّل “فيسبوك” المواطن إلى كلب بافلوف، وأمسى وسيلةً لتضليل الحقائق وتعتيمها عن قصد أو عن غير قصد، بعدما اكتسب قابليّة تصديق شديدة لدى كثيرين من متتبّعيه، إلى درجة أنّ مراسل “بي بي سي” كتب “لا تزال مواقع التّواصل الاجتماعيّ في صدمة كبيرة بسبب حادثة قتل شاب جزائريّ وحرقه بعد اشتباه في إشعاله الحرائق”. بمعنى أنّ هذه المواقع هي التي أصيبت بالصّدمة وليس الشّعب الجزائريّ، وهذه المواقع نفسها التي شحنت الأفراد بمختلف الانفعالات قبل الجريمة واصلت عملها على النّهج نفسه بالأسلوب العنيف نفسه. وهذا بمطالبة السّلطات الأمنيّة بمطاردة كلّ من كان له أيّ ضلع في مقتل بن إسماعيل والقبض عليه حيا أو ميتا.
وسائل الإعلام التي بقيت على التّماسّ وتعمل على الهامش، عوض البحث في معالجة الأسباب الدّافعة للجريمة، والتّعمّق في مخلّفاتها، وفتح المجال أمام علماء النّفس والاجتماع والإعلام لمناقشتها بالتّحليل، سقطت في فخّ مواقع التّواصل الاجتماعيّ، وأضحت بوقا لحساباته التي تحوّلت إلى المصدر الأوّل والأساس لوسائل الإعلام لاستقاء المعلومات، واكتفت فقط بسرد نتائج التّحقيقات الأمنيّة، وأصبح الصّحافيّ وسيلة لإقرار ما تبثّه وسائل التّواصل الاجتماعيّ، وأمسينا أمام مشهد جان كازنوف الذي كشف كيف تُحوّل وسائل الإعلام الحقيقة إلى مسرحيّة.

القلّة من النّاس من تجرؤ على مخالفة رأي العدد الأكبر، لأنّ عامّة النّاس لا تحكم إلا على ما تراه

صحيحٌ أنّ العنف مرفوض مهما كانت أسبابه ودوافعه ومبرّراته، لكن من الضّروري عدم إغفال هذه النّقاط، حتى نتجنّبَ مستقبلاً جرائم مماثلة، ربّما تكون أبشع وأشنع، لأنّ العنف يبقى من أشكال التّعبير، يكون تلقائيًا نتيجة اشتداد أزماتٍ سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ واجتماعيّةٍ وثقافيّة. ونتيجة أيضًا لشعور الأفراد بالاغتراب والإقصاء وعدم إشراكهم في تقرير مستقبل حياتهم. والأخطر من هذا كله شعورهم بأنّهم يفتقرون إلى سلطة حقيقيّة فعليّة، تنوب عنهم في الحفاظ على أمنهم وأمن ممتلكاتهم.
البحث في ظروف هذه الأسباب والدّوافع يُمَكّننا من الوقوف على حجم تأثيراتها، وتقدير إمكاناتها الحقيقيّة حول احتمال أخذها مظاهر أخرى للتّعبير عنها في المستقبل وفي مناطق مختلفة من الوطن، لأنّ ما وقع في منطقة الأربعاء ناث إراثن (حيث الجريمة) يُمكنه التّكرّر، طالما أنّ الأفراد يتشابهون في الصّفات  اللاشعوريّة. والفرق الشّاسع بين الطّبيب والجزّار، من حيث العقل والذّكاء، يذوب أو يضعف من حيث الطّباع، إذا انصهر الأفراد في روح الجماعة، إذ يتخلّى الأفراد عن العقل بوصفه مرجعيّة، وتسود الصّفات اللاشعوريّة، ويصبح الفرد أداةً تتحكّم فيها إرادة الجماعة التي تتميّز مشاعرها بصفتين: بساطة للغاية وغُلُوّ للنّهاية، وهذه البساطة وهذا الغلوّ يجعلانها لا تعرف التّردّد. ومن سوء الحظّ، يظهر غلوّ مشاعر الجماعة غالبا في فعل الشّرّ.
كان مقتل جمال بن اسماعيل متطابقا مع رأي غوستاف لوبون أنّ الجماعة تنقاد وراء مؤثّر قويّ، وتحريض عنيف يتنافى والقيم الانسانيّة وحقوق الإنسان، وأنّ الأفراد يتحوّلون إلى قضاة وجلّادين في الوقت نفسه باسم إجماع الجماعة، ويشكّلون محكمة تقرّر القتل من دون الحاجة إلى حكم، مثلما يتطابق أيضًا مع أفكار فورباخ الذي تحدّث كيف تفضّل الجماهير الصّورة على الحقيقة، والنّسخة على الأصل، والتّمثيل على الواقع، والظّاهريّ على الحقيقيّ، فالشّيء المقدّس لها ليس إلا الوهم، أمّا المدنّس فهو الحقيقة.
.. تسليط الضّوء على التّحقيقات الأمنيّة فقط يؤكّد، مرّة أخرى، أنّ ميكافيلي كان صادقا عند تأكيده أنّ القلّة من النّاس من تجرؤ على مخالفة رأي العدد الأكبر، لأنّ عامّة النّاس لا تحكم إلا على ما تراه.