"شياطين" دوستويفسكي… عالَم متعدّد الأصوات

مثل بقية رواياته الشهيرة، يمكن النظر في رواية “الشياطين”، التي تُعدّ من روائع الفن الروائي الذي أبدعه الكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي (1821 – 1881)، من زاويتَين؛ الأولى تتعلّق بمضمونها الفكري، وتتعلّق الثانية بتقانتها الفنية، وفي كلتا الزاويتين تظهر سمات الكاتب الإبداعية التي عُدّت في زمنه فتحاً جديداً في عالم الرواية غير مسبوق.

من زاوية المضمون، تكشف هذه الرواية عن طبقات أو مستويات المجتمع الروسي في أواخر القرن التاسع عشر بنظرة نزيهة وإنسانية مرهفة تتعمّق في هذه المستويات بكلّ ما حملته من إشارات دالّة على حيوية هذا المجتمع، ولكن ما حملته من إشارات مؤثّرة دالّة على نواحي بؤسه في الوقت نفسه. ولكن أكثر ما يلفت النظر تلك الإشارات الدالّة على مستقبل هذا المجتمع الذي وضعه دوستويفسكي في مكانة تقارب مكانة مخلّص البشرية من عصورها المظلمة.

والملفت في هذا السياق أيضاً أنّ دوستويفسكي لا يضع الراوي وحده في المقدّمة، بل يكشف لنا عن عدد من النظرات إلى العالم متنوّعة بين اجتماعية ودينية وتاريخية وفلسفية، مصدرها شخصيات الرواية المستقلّة عن تحكّم الكاتب؛ فنجد أمامنا على مسرح السرد الروائي الأستاذ المربّي العتيق ستيفان تروفيموفتش حامل الأفكار الإصلاحية التقليدية المتأثّر بالغرب الذي نبذته الأجيال الشابة الجديدة، الأجيال التي نشأت على أفكار وفلسفات التيارات الفوضوية والعدمية والاشتراكية، أي كلّ ما يُعتبر مهدداً للنظام القيصري في زمنها.

أبرزها هذه الشخصيات هي شخصية ابنه بيوتر الذي أرسله وهو رضيع بعيداً عنه لينشأ في أعماق الريف، فينشأ على أفكار الجماعات العدمية الأوسع انتشاراً، ويشكّل حلقة من حلقات جمعية سرية يزعم أنها تمتلك شبكة تغطّي روسيا، وتستعد لإعلان الثورة حين تتلقّى الإشارة، وشخصية نيقولاي ستافروجن الأرستقراطي غريب الأطوار الذي يظلُّ الغموض محيطاً به حتى لحظة انتحاره في نهاية الرواية، وحتى بعد معرفة أنّه عاش حياة بوهيمية بعد تخلّيه عن البحث عن أي وظيفة، وتقاذفته نزوات شاذّة مثل زواج سري من امرأة مخبولة ليُثبت بهذا الزواج صلابة إرادته، ثم لا يعرف بماذا يستخدم هذه الصلابة. وتبرز بخطوط لافتة للنظر شخصيةُ الشاب المهندس كيريلوف الحامل لفلسفة عجيبة مفادها أنه بانتحاره سيتحرَّر من خوفه من الموت ويحقّق إرادته فوق أي إرادة لأي سيّد مهما كان. وبسبب قراره الانتحار القائم على هكذا قناعة تفكّر الجمعية السرية بالاستفادة من انتحاره، بأن يقتل نفسه ويترك رسالة يعترف فيها بكلّ آثام وجرائم ما قامت وستقوم به هذه الجمعية.

وتُجسّد شخصيةُ الطالب “شاتوف” المطرود من الجامعة بسبب أفكاره، والذي يحاول التخلُّص من انتمائه إلى الجمعية السرية، أكثرَ المآسي تأثيراً في النفس، حين تُجمِع الحلقة السرية على قتله بتحريض من بيوتر ستيفانوفتش بسبب إهانة شخصية قديمة وجّهها إليه “شاتوف”، فيُقتل بعد عودة زوجته المشرّدة إليه وولادة طفلها وقراره بأن يبدأ حياة جديدة، ولكن مقتله هو الذي يكشف عن هذه الجماعة المصابة بمسّ شيطاني بعد أن يفقد أحد المشاركين في الجريمة أعصابه خوفاً ورعباً ويهرع إلى السلطات ويكشف عن المتآمرين.

نظرات اجتماعية ودينية وتاريخية وفلسفية إلى العالم

تُضاف إلى ذلك شخصيات نسائية من مختلف الطبقات، مثل زوجة الحاكم يوليا ميخائيلوفنا التي يدفعها طموحها وأفكار ساذجة عن طبيعة الشبّان المتحرّرين من القيم التقليدية، إلى تبنّي مهمّة تجميعهم حولها في حلقة لتُبعدهم عن “إلقاء أنفسهم” في الهاوية كما تقول، وليزافيتا نيقولايفنا الشابة التي تنشأ بينها وبين ستافروجين علاقة من نوع ما، تنتهي بأن تُقتل على يد غوغاء يثيرهم مقتل زوجة ستافروجن المخبولة، ظناً منهم أن ليزا على علاقة بالجريمة.

ويجعل الكاتب مسرح حركة الشخصيات وحياتها اليومية بلدة ريفية صغيرة، مع قيام بعضها بزيارة لمدينة بطرسبرج بين الحين والآخر، مثلما يحدث لستيفان تروفيموتش وراعيته السيدة الأرملة زوجة الجنرال الراحل ستافروجن التي يعمل ويسكن في بيتها مربيّاً لابنها نيقولاي ستافروجن، حين تستهويها، هي المرأة الثرية، الأفكار التحرّرية الشائعة، فتكون تجربة لا تحصد منها هي ورفيقها سوى الخيبة في عدم قدرتهما على مجاراة عنفوان وفوضوية وتحلُّل الأجيال الشابة.

ولا يقدِّم لنا الكاتب نفسَه كسارد أو مراقب محايد، بل كمشارك في الأحداث، وإن كانت مشاركة شخص في مكان وزمان الأحداث، ومخبر عنها، ولكن المتردّد والحائر والمتسائل شأنه في ذلك شأن القارئ، وليس العليم أو كلّي المعرفة الذي عرفته الروايات التقليدية وما تزال تعرفه حتى يومنا هذا، ولا يخفى أنّ هناك جوانب ممّا يجري أمام نظره خفيّة لا يستطيع التوصل إلى كنهها.

ولكن ما الذي يجمع بين هذا التشتّت والتعدّد، واستقلالية نظرات الشخصيات ومواقفها؟ هنا تبرز طريقة البناء، أو التقانة الفنية التي يعتمدها الكاتب، وغابت إلاّ من تلمّسات غير واضحة، عن غالبية النقّاد الذين تناولوا رواياته، ولم يضع يده عليها بوضوح إلّا الفيلسوف واللغوي والناقد الروسي ميخائيل باختين. جاء تفصيل هذا في كتاب شهير له عنوانه “مشكلات دوستويفسكي الإبداعية”، والمترجَم إلى العربية في الدار البيضاء تحت عنوان “شعرية دوستويفسكي” (1980) وفي بغداد تحت عنوان ” قضايا الفن الإبداعي عند دوستويفسكي” في العام ذاته.

ما كشف عنه باختين في كتابه، الذي أصدره في العام 1929، وعاد وجدده وأضاف إليه في العام 1963، هو إبداع دوستويفسكي لمّا سماها “الرواية متعدّدة الأصوات”، وهي رواية خاصيتها الأساسية تعدُّد الأصوات وأشكال الوعي المستقلّة التي يقدّمها الكاتب، حتى باستقلال تام عن صوته ووعيه هو. فللشخصيات منطقها الخاص بها، وهو منطق لا ينطق فيه الكاتب عنها، ولهذا لا تُعتبر مواقفها تعبيراً عن موقف المؤلّف الأيديولوجي.

أصوات تتحاور وتظل مستقلّة كالعازفين في فرقة واحدة

بتعدّدية الأصوات التي يمكن تشبيهها بتعدّدية وتحاور أصوات الآلات الموسيقية في التأليف السيمفوني، أوجد دوستويفسكي صنفاً روائياً جديداً، تتحدّد فيه عناصر البنية الروائية بأداء وظيفة فنّية جديدة هي؛ مهمة بناء عالم متعدّد الأصوات لا يهيمن فيه صوت واحد كما في الرواية التقليدية. وأحسن أحد النقّاد حين كتب أن “دوستويفسكي مبدع صنف جديد وفريد في الرواية، لا تكمن قيمته الأساسية في الفلسفة أو الكشوف النفسية أو التصوّف، وهي جوانب يكثر من تناولها من كتب عنه، بقدر ما تكمن في إبداع صفحة جديدة وفذة في تاريخ الرواية الغربية”.

ويكمن جوهر تقانة تعدّد الأصوات في أنها أصوات تتحاور وتظل مستقلّة، كما هو حال العازفين على الآلات الموسيقية بأنواعها المختلفة في فرقة واحدة، إلا أنها تندمج في وحدة أعلى، في كينونة جديدة مع حفاظها على استقلاليتها في الوقت نفسه. ويشبه الأمر المزج المبدئي بين عدد من الإرادات الفردية، يحدث فيه تجاوزٌ للأحادية ولكن من دون إلغائها. ويذكرني هذا بمبادئ مهمّة من مبادئ فيزياء الكوانتم الحديثة هي “اللاتحدّدية” و”الكل ليس مجموع عناصره بل كينونة مستقلّة منبثقة من اجتماع العناصر ذاتها ولكن بهوية جديدة” و”الحقيقة ليست إمّا هذا أو ذاك حصراً، بل هي هذا وذاك وغير ذلك”، ومبدأ “اللايقين” وما إلى ذلك من مبادئ.

إلّا أن تعدّد الأصوات ليس هو العنصر الفريد في هذه البنية الروائية، فإلى جواره وبالتضافر معه يقف عنصر التزامن، وعنصر الحوار ذي الأهمية الاستثنائية لدى دوستويفسكي (وكلاهما من عناصر النظرية الكوانتمية أيضاً التي ترى في تواقت الظواهر مبدأً مهماً، وكذلك في قيام هوية العنصر على مبدأ الحوار بينه وبين بيئته)، وبجمعه بين عناصر مستقلّّة بل ومتنافرة في وحدة فنّية واحدة، مثل الأطروحات الفلسفية والمغامرات الجنائية والقصص الديني والقصص المبتذلة التي تندمج كلّها مع خبر في جريدة ونكتة ساخرة وحتى مع الهجاء، ينظر إليها متزامنة ومتحاورة يؤثّر بعضها على بعض. صحيح أنّ هذه الخاصية جعلته يبدو أحياناً وكأنّه أعمى وأصم، كما يقول بعضهم، تجاه العديد من الأشياء المهمة، إلّا أنّها زادت من استيعابه للأشياء في ضوء الحدث الراهن، وجعلته يرى الكثير والمتنوّع في المكان الذي لا يرى فيه غيره سوى شيء واحد، وما هو فكرة واحدة، وأن يرى ويتحسّس وجود فكرتين أو أكثر، وميزات بدلاً من ميزة واحدة.

وتضيف ميزة الحوار وطابعه الخاص، الذي لا تكاد تخلو منه صفحة من صفحات الرواية، عنصراً آخر إلى عناصر دوستويفسكي الإبداعية. إلى درجة أنّ الكاتب السوفييتي لوناتشارسكي رأى أنّ روايات هذا الكاتب “بمثابة حوارات كُتبت ونظمت بشكل رائع.. بحيث بدا وكأنه يكتفي بمجرّد حضور هذه الحوارات المتوتّرة، وانتظار ما تسفر عنه”.

ويجدر بنا أن نذكر أنّ قيمة تقانة تعدُّد الأصوات التي اكتشفها باختين لا تكمن فقط في تعميق فهم الإنسان لنظيره الإنسان، وفي إدراكه لأهمية الأفق في النظر وليس هذه المساحة المحدودة من المكان أو الزمان، أو موقف الشخصية في هذه اللحظة أو تلك حصراً، بل في ما يضيفه أيضاً حين يقول: “ما يزال تعدّد الأصوات يحتفظ، وسيحتفظ في المستقبل، بأهميته الفنية أيضاً ضمن ظروف تجارب أُخرى مغايرة تماماً، وخاصّةً في القادم من عصور، لأنّ الاكتشافات العظيمة التي تصدر عن العبقرية الإنسانية، من الصحيح أنها تكون ممكنة في ضوء ظروف محدّدة وفي عصر محدّد فقط، إلّا أنها لا تموت على الإطلاق، ولن تفقد أهميتها إسوة بالعصور التي أنجبتها”.

ليس الكاتب مراقباً محايداً للأحداث بل هو مشارك فيها

وتبقى كلمة أخيرة حول عنوان الرواية المختلَف عليه بين ترجمة وأُخرى، والذي أخذنا من بينها “الشياطين” عنواناً للرواية بصفته الأشمل والأقرب إلى الأفهام. يستمد هذا العنوان دلالته الأوسع من المقتطف الذي صدّر به دوستويفسكي روايته، والدال على مقصده من العنوان، والمأخوذ من إنجيل لوقا. يروي المقتطف قصّة الشياطين التي كانت تسكن جسد رجل مصاب بالجنون، ولا يشفى، حسب رواية لوقا، إلّا على يد السيد المسيح حين يقترب من الرجل المصاب بمسّ شيطاني كما هو معتقد، فتخشاه الشياطين التي مسّت الرجل وترجوه أن يسمح لها بالخروج من جسده والدخول في قطيع خنازير كانت ترعى في الجبل، فيسمح لها، فتخرج من جسد الرجل المصاب وتدخل في أجساد الخنازير، فيصيب الخنازيرَ مسٌّ من جنون فتركض وتقفز عن الجرف في البحر وتختنق.

والواضح من تصوير دوستويفسكي للشخصيات التي تظهر وكأنها أُصيبت بمس من جنون أو خبل، الشخصيات التي تنتهي بأن تُقتل أو تنتحر، أنّها لم تُصَب بمس فقط بل تحوّلت إلى شخصيات شيطانية. ويعزّز هذا المقتطفُ الآخرُ الذي يأخذه دوستويفسكي من قصيدة للشاعر الروسي بوشكين، والذي يقول فيه: “والآن ما العمل؟ ضيّعنا الطريق، أصابت الشياطينُ خيولنا بمسٍّ، فأخذتنا إلى البراري وضيّعتنا”. وتتضح الدلالة هنا حين نعرف أنّ الخيول التي هي بمثابة قائدة العربات كناية عن القادة أو من هم بمقامهم، هي التي أخذت ركاب العربات إلى البراري وضيعتهم، فكأنها فعلت فعل الشياطين أيضاً.

من جانب آخر، يوسّع دوستويفسكي دلالة كلمة الشياطين في الجزء الثالث الأخير بما جاء على لسان أبرز أبطالها، العجوز ستيفان تروفيموفتش، حين يطلب أن تقرأ له “صوفيا ما تفئفنا” إصحاح إنجيل لوقا فيعلق قائلاً: “إنّ هذا يشبه ما يحدث في بلدنا روسيا تماماً، تلك الشياطين التي خرجت من الرجل المريض ودخلت في الخنازير هي كلّها القروح والعدوى البغيضة والخبائث، الشياطين كلُّها، كبيرها وصغيرها، التي تضاعفت في هذا المريض العظيم، بلدنا روسيا المحبوبة طوال عصور وعصور.. نعم في روسيا التي أحببتها دائماً. ولكن ستهبط من الأعلى فكرة عظيمة، وإرادة عظمى تحيطان بها، مثل ذلك المجنون الذي تملّكته الشياطين، وستُخرج الفكرة العظيمة والإرادة العظمى، كلَّ هؤلاء الشياطين.. وتتوسّل كلّها للدخول في الخنازير، وقد تكون دخلت سلفاً! وهذه الخنازير كلُّها هي نحن، نحن، وأولئك وبتروشا والآخرون معه، وربما أنا على رأسهم، وسنلقي بأنفسنا ممسوسين ونحن نهذي من فوق الصخور في البحر، وسنغرق جميعاً، لأن هذا هو كلّ ما نصلح له”.

بالطبع، يقطع تشبيه هذا الأب العجوز لابنه بيوتر (بتروشا تدليلا) زعيم حلقة الجمعية السرية والآخرين، ومعهم هو ذاته، بالخنازير، بأنّ الرواية تروي قصة هؤلاء الممسوسين الذين تحوّلوا إلى شياطين، فمنهم من انتحر ومنهم من قتلته الحلقة ذاتها، ومنهم من هرب، أي هؤلاء العدميّين والفوضويّين ناشري الاختلالات والحرائق والإشاعات والاضطراب في مفاصل مجتمع البلدة الريفية، “الشياطين” الذين أخذوا مجتمعهم إلى “البراري” و”ضيّعوه” مثلما فعلت الخيول في قصيدة بوشكين.

* شاعر وروائي وناقد من فلسطين

** النصّ مقدّمته لرواية “الشياطين” التي صدرت حديثاً بترجمته عن “منشورات ذات السلاسل” في الكويت