صفقة "سوخوي 35": تفاهم مصري ــ روسي جديد

على الرغم من أن زيارة وزير الدفاع المصري الفريق أول محمد زكي إلى موسكو، الأحد الماضي، كانت مجدولة سلفاً لحضور الاجتماع السابع للجنة العسكرية الفنية المشتركة بين البلدين، إلا أن العنوان العريض للمحادثات، التي أجريت على مدار ثلاثة أيام، هو المضي قدماً في محاولة البلدين تجاوز التوتر، الذي طرأ بسبب الموقف الروسي السلبي بالنسبة للمصريين في قضية سد النهضة. كما ترغب موسكو في إعادة بناء الثقة على مختلف الأصعدة، وليس فقط في المجالات التي تشهد العلاقات الثنائية فيها تطوراً واستقراراً في الآونة الأخيرة، كملف مشروع الضبعة النووي وعودة السياحة والطيران الروسي، خاصة في ظل التهديدات الأميركية لمصر وتحذيراتها بعدم التوسع في شراء الأسلحة الروسية، وهو الملف الذي يثير قلق وغضب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لا سيما مع توسع مصر في شراء النظائر الأوروبية.
وبينما لم تصدر القاهرة أي بيان عن اللقاء، أعلن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو أن مصر شريك استراتيجي هام لبلاده في شمال وشرق أفريقيا، في محاولة واضحة لتبديد المخاوف المصرية من الدعم الروسي العسكري المتصاعد لإثيوبيا، بمناسبة دعم حكومة أبي أحمد في حرب إقليم تيغراي، والتنسيق المتصاعد بين الجانبين، وعقد عدد من الاجتماعات العسكرية خلال الشهر الماضي.

شويغو: مصر شريك استراتيجي هام لروسيا في شمال أفريقيا وشرقها

وكشفت مصادر مطلعة، لـ”العربي الجديد”، أن المباحثات تناولت بشكل رئيسي اتفاق الجانبين على المضي قدماً في صفقة المقاتلات الروسية “سوخوي 35″، والتي كانت قد عُقدت مبدئياً عام 2018، ووصلت منها فقط خمس طائرات إلى مصر، وتم تدريب أقل من عشرة طيارين مصريين عليها في العامين الماضيين. وتضمن الاتفاق الإسراع بوصول 12 طائرة خلال العام 2022، ثم بحث وصول 12 أخرى خلال 2023، ليكون الإجمالي 24 طائرة، بالإضافة إلى الخمس المسلمة قبل ذلك، وهو ما يعتبر رقماً كبيراً بالنسبة لمبيعات المقاتلة الروسية التي تواجه تضييقاً شديداً من الولايات المتحدة منذ بضعة أعوام، وتجد صعوبة في الوصول للأسواق العالمية بسبب تهديدات واشنطن.
وذكرت المصادر أن مصر طلبت إمداد الدفعة الجديدة، التي يتم تجهيزها حالياً، ببعض البرامج الإضافية الخاصة بقدرات الحرب الإلكترونية، التي كشفت التدريبات المختلطة بين الـ”سوخوي” ومقاتلات “رافال” الفرنسية في مصر عن حاجة المقاتلات الروسية إليها لتجاري منافستها في ميدان القتال، لا سيما مع تقارب تكاليف التشغيل بينهما (من 35 إلى 40 ألف دولار في الساعة). وأضافت المصادر أن موعد تسليم هذه الدفعة تأخر بعدما كان مقرراً العام الماضي بسبب جائحة كورونا، وتخفيض ساعات العمل في مجمع طيران “كومسومولسك” الذي يختص بتصنيع هذه الدفعة وتوريدها لمصر. ولكن هناك سبباً آخر هو تخوف القاهرة من ردة فعل واشنطن، وبالتالي فهناك رغبة لتأخير التسلم بعض الوقت لحين التأكد من استقرار العلاقات بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وإدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، أخذاً في الاعتبار أن تحسن الأجواء حالياً ما زال هشاً وعرضة للانهيار، سواء بسبب سوء أوضاع حقوق الإنسان، أو إذا فشلت مصر في المهمة الموكلة إليها لتهدئة الأوضاع في فلسطين.

وبينما يبدو أن القاهرة اكتفت بما لديها من طائرات روسية من طراز “ميغ 29″، والتي ظهرت أخيراً في المناورات العسكرية التي أجريت مع السودان بالتزامن مع تعقد قضية سد النهضة، تطلب مصر من روسيا إمدادها بالمزيد من الصواريخ الجوية قصيرة ومتوسطة المدى التي تستخدم في المعارك قريبة المدى. وهذان النوعان لا تشتريهما مصر من الولايات المتحدة أو الدول الأوروبية، وسبق أن تلقت بالفعل نحو 600 منها خلال العام الماضي. أما الملف الثاني الذي ناقشه الجانبان فهو التوسع في المناورات التدريبية في روسيا أو مصر، وإمكانية ضم دول أخرى لها، الأمر الذي كان قد أغضب أميركا أيضاً، لكن القاهرة تحتاج إليها لتحقيق التوازن في علاقاتها العسكرية من جانب، بالنظر إلى اشتراكها في العديد من المناورات مع قوى أوروبية، أبرزها فرنسا، في الفترة الأخيرة، وتكثيف خبراتها من جانب آخر.

طلبت مصر إمداد الدفعة الجديدة ببرامج خاصة بالحروب الإلكترونية

وتعتبر العلاقات العسكرية بين البلدين محوراً أساسياً للتعاون منذ صعود السيسي إلى السلطة. فبينما كانت واشنطن ممتنعة عن إرسال مساعداتها العسكرية السنوية إلى مصر بين 2013 و2014، زار السيسي روسيا أكثر من مرة لعقد صفقات عسكرية. وبحسب وثائق حكومية، اطلعت عليها “العربي الجديد”، فإن مصر أنفقت نحو 15 مليار دولار بين 2014 و2017 على التسليح، منها نحو 60 في المائة على الأسلحة الروسية. لكن في السنوات التالية استوردت نحو 43 في المائة من أسلحتها من فرنسا، تلتها الولايات المتحدة وروسيا، بينما من المقرر، بعد الصفقة التاريخية بقيمة 10 مليارات يورو الموقعة مع إيطاليا، وزيادة الواردات الألمانية في المجال البحري تحديداً، أن تدخل روما ثم برلين بدلاً من موسكو التي ستتراجع للمركز الخامس.