عالم بلا كمامة .. كيف سيبدو؟

عالم بلا كمامة .. كيف سيبدو؟ هل سيتنفس العالم بحرية أخيراً خارج الكمامة؟ هل سيخرج وجهه إلى الهواء الطلق وتظهر ملامحه التي اختفت طوال عامين تقريباً مجدداً؟ هل ستعود وجوه البشر لتقابل بعضها بعضاً بلا حواجز ولا خوف من انتقال الفيروس الخطير بينها؟ هل ستختفي الاحترازات الفردية والجماعية الكثيرة التي أوجدها واقع الجائحة الثقيلة في الحل والترحال حول العالم؟ هل ستفتح المدارس والجامعات ودور العبادة وقاعات السينما ومعارض الكتب وملاعب الكرة وغيرها من الأماكن التي تحتضن الجماهير عادة أبوابها مجدّداً بعيداً عن المخاوف الصحية وما تتطلّبه من احترازات وقائية كما يحدث حالياً ومنذ عامين تقريباً؟ هل سننتهي من هذا الكابوس الذي حل علينا وحصد بعض أحبائنا وأصدقائنا ومعارفنا فرحلوا من دون وداع؟

من الواضح أننا نعيش هذه الأيام أكبر حملة تطعيم في التاريخ كله، بعد أن أخذ البشر في 183 دولة ما يقرب من خمسة مليارات جرعة من اللقاحات المعتمدة ضد فيروس كورونا، وهذا يعني أن العالم يقترب وبسرعة كبيرة، وفق ما قاله باحثون وأطباء وخبراء على هذا الصعيد، من منطقة المناعة المجتمعية الكاملة، بعيداً عن خطر الفيروس، ما يعني أنه سيتمكّن من العودة بأمان إلى طبيعته السابقة فعلاً. فهل يعود فعلاً؟

عامان تقريباً والعالم بانتظار هذه النتيجة، بعد أن تغيّر كل شيء إثر انتشار الفيروس، ولكن الشك في العودة ما زال قائماً، ليس فقط لأن اللحظات التي تمضي لن تعود أبداً وحسب، ولكن أيضاً لأن ما أحدثه الفيروس وتحولاته وتحوراته على حياة الناس في كل مكان في العالم تقريباً أصعب من مجرّد خوف العدوى والمرض.

لقد صنع لنا هذا الفيروس حياة جديدة بمتطلباتٍ رسمها وفقاً لظروفه الجديدة، وكان علينا، نحن البشر في كل مكان، أن نخضع لها من طريق التجربة والخطأ، وصولاً إلى المنطقة التي توافقت الأغلبية البشرية على أنها المنطقة الآمنة صحياً، وهي المنطقة التي اصطلح على تسميتها المناعة المجتمعية من دون اختبار حقيقي لمدى سلامة مناعتها، وقوة هذه المناعة، في مواجهة الفيروس. لكن هذا كله يبدو غير مهم الآن، بعد أن تغيّرت قواعد لعبة الحياة كثيراً، عودة إلى دروس الحياة الأولى في النظافة الشخصية وغسل اليدين بالماء والصابون، والحرص على وجود مسافات كافية بين الناس في ممارساتهم اليومية في الحياة، حيث الدراسة والعبادة والعمل والترفيه وغيرها من شؤون لا تستقيم الحياة من دونها.

عندما أخذت الجرعة الثانية من اللقاح، قال لي الممارس الصحي، وهو يسلّمني البطاقة التي دوّن فيها المعلومات الجديدة؛ “مبروك.. أنت الآن محصّنة”. شكرته، لكنني بقيت أفكر في كلامه فترة طويلة. فكرت في إن كان يقصد أنني أصبحت فعلاً محصّنة ضد المرض بالمطلق، وهل يملك هذا اليقين ليقدمه لي على هذا النحو المطمئن؟ لم أصل إلا إلى مزيد من الشكوك التي انتهت عند نقطة الرضا بما يكتبه الله لنا أولاً وأخيراً. فلا اعتراض عليه، لكن الأسئلة التي تفرّعت لاحقاً لتتناول مصير العالم كله بقيت من دون إجابات حاسمة.

قريباً، سيكون العالم كله أو على الأقل 90% منه، قد تناول اللقاح المعتمد بجرعة أو جرعتين وربما ثلاث جرعات، وستكون الحياة أكثر أماناً من المرض، لكنها لا تبدو كذلك من بقية المخاوف التي أفرزها شبح هذا المرض في العلاقات والأعمال.