من فضيحة بيغاسوس إلى فضيحة توم باراك

يصعب ادّعاء الموضوعية في التعامل مع فضيحة بيغاسوس الدولية، فقد كنت واحداً من المتضرّرين من برنامج التجسس الإسرائيلي “بيغاسوس” الذي اشترته الإمارات واستخدمته، ودول حليفة لها، ضد خمسين ألف رقم من صحافيين وناشطين حقوقيين وسياسيين ورؤساء دول. والأسوأ من ذلك أن هذا البرنامج تسبّب في جريمة القتل المروّع للصديق جمال خاشقجي.

أشعر بالغضب ليس لأسباب مهنية فقط، فليس ثمّة أسوأ من انتهاك خصوصيتك من جهة تناصبك العداء. في كل الدساتير الخصوصية مصانة، لا يحقّ التنصت إلا وفق قرار قضائي، من أين أخذ الإسرائيليون والإماراتيون إذناً بالتجسّس عليّ؟ الهاتف الذكي أهم من المنزل، لو دخل لص منزلك بغيابك ضرره أقلّ من تلصص دولة تعاديك على هاتفك، فالمتضرّر لست أنت “فقط”، بل أيضاً كل من يتواصلون معك متضرّرون، أسرتك وأصدقاؤك.

عندما تجمّع أصدقاء من خريجي جامعة اليرموك (الأردنية) في مجموعة واتساب، انسحبت حتى لا أتسبّب بضرر لأي منهم. ولكن لا تستطيع أن تفعل هذا مع الجميع. قرّرت أن تسير حياتي بشكل طبيعي، ولن أكيّفها وفق نزوات القراصنة، فأغنى دولة عربية قادرة على الوصول إلى هاتفك، وقادرة على اختلاق ما شاءت من افتراءات. كيف لا وقد فعلت هذا بدولة شقيقة وبمواطنيها الذين كانوا أول الضحايا، مثل المعتقل أحمد منصور والراحلة آلاء الصديق.

لم تمضِ أيام على سلسلة تحقيقات “بيغاسوس” التي شاركت فيها شبكة صحافيين من 17 موقعاً عالمياً، حتى طفت على السطح قضية مستشار ترامب السابق، توم باراك. هذه المرّة، ليس في تحقيق صحافي، وإنما قضية في المحاكم الأميركية، تخدش كبرياء الدولة العظمى التي تعرّضت للاختراق والتوجيه بقوة المال من دولة الإمارات. ولا يعرف بعد كيف سيكون المسار القضائي، وهل ستطلب المحكمة المتهمين الإماراتيين، أم ستكون لهم حصانة أو على الأقل لبعضهم؟ لم تذكر لائحة الاتهام بحسب “نيويورك تايمز” صراحة ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، لكنها تشير إليه بوضوح على أنه “مسؤول إماراتي 1”. مثلاً، تنصّ على أن “المسؤول الإماراتي 1” اجتمع مع السيد ترامب في البيت الأبيض في 15 مايو/ أيار 2017، وهو اليوم نفسه الذي التقى فيه ترامب مع محمد بن زايد. وفي إشارة أخرى إلى الأخير، تفيد لائحة الاتهام بأن “المسؤول الإماراتي 1” عمل مع باراك للمساعدة في إفشال خطط الولايات المتحدة لعقد مؤتمر في كامب ديفيد بولاية ماريلاند للضغط على الإمارات لإصلاح الخلاف مع قطر، الشريك الأميركي الآخر.

وتكشف “نيويورك تايمز” غائباً حاضراً آخر في لائحة الاتهام، وهو سفير الإمارات في واشنطن، يوسف العتيبة، “كما أشارت لائحة الاتهام إلى عمل باراك مع “المسؤول الإماراتي 5″، الذي يبدو أنه يتناسب مع وصف السفير المؤثر. تكشف لائحة الادعاء في قضية توم باراك عن دور غير قانوني في تصنيف الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، بعد تولي ترامب سلطاته بثلاثة أيام. وبحسب صحيفة الغارديان البريطانية، فإن لدى الاستخبارات الإسرائيلية بوابة خلفية على أدوات التجسس والتنصت الإسرائيلية التي اشترتها واستعملتها للتجسس، وتطّلع على كل شيء فيها.

باختصار، من فعل ذلك بنا هو دولة العدو الصهيوني، ولكن بتمويل عربي. المؤسف أن الإسرائيلي لا يتعرّض للتنصت وتُحترم حقوقه، والجهة الوحيدة التي تنصتت عليه هي حركة حماس كما نشرت الصحافة الإسرائيلية في الحرب أخيراً. وفرق بين التجسّس على عدو في حال الحرب وانتهاك خصوصية صحافي أو حقوقي أو سياسي في حال السلم.

المأمول أن تكون آخر الفضائح، وتعود الإمارات إلى دورها الطبيعي. دولة عربية في خدمة مواطنيها والقضايا العربية. وهذا مجالها الحيوي، لأن هذه الأمة هي الباقية، أما المشروع الصهيوني وترامب فهما معاديان لنا، وزائلان.