تراث مدينة الرّقة

ماذا عن تراث مدينة الرَّقة وما آل إليه، بعد كل هذه السجالات الطاحنة التي شهدتها المدينة من خراب ودمار وارتماء الكثيرين من أبنائها في أحضان ما يسمى بالدولة الإسلامية، والتي شهدت صراعات أكثر دمويةً، وهذا ما كان ينتظرها؟

قبل تحرير الرَّقة من عصابات “داعش” بعد أن شهدت شوارع المدينة ساحة صراع مستميتة، كانت النتيجة تدمير المدينة عن بكرة أبيها، وقتل النخبة من أبنائها، وهذا ما كان يعوّل عليه الكثيرون ممن يقرأون الواقع الذي آل إليه، والحال الميؤوس منه الذي عاشه المقيمون فيها خلال السنوات الماضية من عمر الثورة التي لم تجرّ سوى ذيول الخيبة، ووابل الخراب والدمار، وألهَبت – بالتالي – مشاعر الناس في كل مكان، وأسهمت في قتلهم وتشريدهم، ما دفع الغالبية منهم اللجوء إلى البلاد الأوروبية وغيرها من أجل العيش بكرامة وحفظ ماء الوجه؟!

وأظن أنَّ حال التراث في مدينة الرَّقة في طريقه إلى الزوال، إذا لم يكن قد تناساه أهلها بالفعل، وهم في الأصل أوّل من اهتم به وحافظوا عليه، وصانوه من الاندثار طوال السنوات الماضية، التي سبقت عمر الثورة بسنوات، وعلى الرغم من بساطته، حمل الكثير من ألوان الشهية المشبعة بالتراث، وما يعنيه في نفوس أهالي الرَّقة من مكانة ورمزية، بحيث لا ينفك ابن المدينة، وغيرها من المدن السورية، في وقتها، أيّام كانت الرّقة، لها وهجها واحتفالاتها ومكانتها ودورها المتفرّد على الساحة الثقافية السورية، واحتفائها باحتضانها للكثير من ألوان الفنون والمهرجانات والاحتفالات والمعارض التشكيلية، والأمسيات الأدبية والشعرية، والتغنّي بالأغنية الفراتية المبهجة، وإحياء الشعر الشعبي والتمجيد به، ومجمل كل ذلك كان بمثابة إشعاع حضاري تتصف فيه مدينة الأديب الراحل الدكتور عبد السلام العجيلي الذي تعود شهرة الرَّقة في الأصل، إلى ما قدمه هذا الأديب النجيب وما تركه لأبنائها. فقد كان نجماً مبرّزاً، ليس على مستوى سورية فحسب، وإنما سطعت شمسه في كل البلاد العربية، كرائد للقصة القصيرة، وروائي كبير، وشاعر وكاتب مقالة متجدّد، وكان تُحفة مدينة درّة الفرات التي أنجبته، فكان نبراساً من حق أبنائها اليوم، وحدهم الاحتفاء به، والتمجيد بعطاءاته وما قدمه.

يظل الدعاء، الذي يكتفي به أبناء الرَّقة، برغم عسرهم الشديد، هو الاكتفاء باللجوء إلى الخالق، والالتزام بالصمت بعيداً عن اتخاذ أي إجراء يُخالف ما يرسمونه يومياً، تلافياً لأي مخالفة قد يقعون فيها، بدون قصد

واليوم، وبعد أن تحوّلت الرَّقة في يوم ما إلى ولاية تنضوي تحت حكم الدولة الإسلامية، نجد أنَّ ذاك البريق تحوّل إلى مجرد خواطر عابرة في تاريخها الموغل في القدم..

وإذا ما عدنا إلى ما كانت عليه في سابق عهدها، فإنها تراجعت كليةً عن احتفالياتها، وبما يعود عليها كل ذلك بمكانتها، وسحرها كمدينة فراتية تعلّل واقعها الحالي بالآمال والتمني، إلى تحوّل جذري لم يعد بالإمكان أن تخطو خطوات جديدة بالاتجاه الذي يرغب فيه أبناؤها الذين تراهم يحاولون تجديد كل ما من شأنه أن ينذر بالتسوية التي يمكن معها أن تقضي على أي تناحر يخفّف إلى حدٍ ما من وطأة المصاب الذي نقش في قلوب أهلها الآلام والضغينة!

وفي هذه العجالة، نقولها:
إنَّ الرَّقة، كمدينة يسكنها مئات الآلاف من الناس، اليوم، وعلى الرغم من نزوح الآلاف من أهلها الضعفاء، البسطاء الطيبين في تعاملهم مع كل من عرفهم، أو حتى لمجرد أن التقى بأحد أبنائها، فيظل أكثر ما يغلب على طبائع أهلها المودة، وكرم الضيافة، برغم فقر ذات اليد، وهذا طبع غلب التطبع من الصعب أن يتغلبوا عليه أو يتركوه، لأنه تاريخ لا يمكن بحال أن يتناسوه، أو يقفون بوجهه دون أدنى علاج للواقع.

إلى أبناء الرَّقة، وأهلها الذين يغسلون الذنوب بالصبر والتأني، والتغلّب على كل ما هو مؤلم في حياتهم اليوم، إلى لون من ألوان المحبّة التي يُفاخرون بها، وهم في واقع الحال أهل لهذا..

إلى أهلنا، هناك، نقولها: رغم قساوة الواقع الذي تعيشونه، فإنكم تظلون أهل حُماة، ونخوة وأصالة، وبكم سنظل نرتقب طور الحياة التي تزداد قسوةً عليكم، وأنتم تتحملون كل ما من شأنه أن يحمي في نهاية المطاف، أصالتكم التي نتغنى بها، وعربون وفاء إلى جدائل أمهاتنا وأخواتنا، وكل من نعرف.. فأنتم تحملّتم، وعلى مضض، وبكل حذر، الكثير من صنوف التأطير التي أصابت أهلها في الصميم!

فالدولة الإسلامية، استصدرت الكثير من القرارات التي من شأنها تمكنت من تحجيم الدور الذي ينتظر ابن الرَّقة، ما جعلته يعيش في طابع مدني جديد، مأسوف عليه يشوبه الحذر والرعب والخوف، لم يألفه من ذي قبل، ورغم ذلك تحمّل الكثير من تبعات القرارات القاسية المذلّة التي بادرت باستصدارها تباعاً، ونفّذت بحق أهلها، ما تركت هذه القرارات عناوين سخط لدى عامّة الناس، لم ترحم أحداً من نتائجها السلبية، ومن عثراتها القاتلة، فكانت مثال السكين التي تقطع رقاب كل من يحاول أن يُخالف فقرة أو بنداً من هذه القرارات الصادرة، أو يلوذ بعيداً تحسباً لنتائجها.

ويظل الدعاء، الذي يكتفي به أبناء الرَّقة، برغم عسرهم الشديد، هو الاكتفاء باللجوء إلى الخالق، والالتزام بالصمت بعيداً عن اتخاذ أي إجراء يُخالف ما يرسمونه يومياً، تلافياً لأي مخالفة قد يقعون فيها، بدون قصد، ما يجعل أبناءها مجرّدين من أي لواعج، يمكن معها أن تؤلّب أوجاعهم، وتحسم مشكلة القائمين على ولاية الرّقة التي صارت حقيقة قائمة، إلّا أنّهم تخلصوا منهم بقدرة قادر.. وهاهم اليوم يأملون بعودة الرَّقة إلى حضن أبنائها من جديد معافاة، وإن كانت متعَبة، يعيش أهلها الذلة والعوز، وحكايات الفقر التي حلت بهم!