على هامش فضيحة بيغاسوس

أثارت ما باتت تعرف بـ “فضيحة بيغاسوس” ردود فعل كثيرة على مستوى العالم، ولا يعتقد أن التفاعل سيبقى حبيس التنديد والاستنكار، أو تلك التي تنفي الفضيحة وتتبرّأ منها، لأن تبعات ما تم الكشف عنه أخطر من كون الأمر يتعلق بالتنصّت على هواتف شخصيات عامة، وإنما بالأسئلة التي تطرح اليوم بشأن ضرورة وضع قوانين تحدّ من تطاول التكنولوجيا على الحياة الخاصة للأفراد، والاستعمالات غير القانونية للمعلومات التي يمكن الحصول عليها من تلك العمليات اللاقانونية وغير الأخلاقية، والتي غالباً ما يتم تبريرها باسم الحفاظ على الأمن القومي ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظّمة.

كشف التحقيق الذي شاركت فيه عدة مؤسسات إعلامية دولية ذات مصداقية كبيرة عن أكبر عمليات تجسّس بطلتها حكومات، وضحاياها ناشطون وصحافيون وحقوقيون، بالإضافة إلى سياسيين بينهم رؤساء حكومات، وعسكريون، ورجال أعمال. ولم يسلم من عمليات الاختراق أفراد من أسر ملكية في المنطقة العربية. وطبقاً للمعلومات المتوفرة، من خلال ما نشرته وسائل الإعلام التي أنجزت التحقيق، فإن برنامج التجسس الإسرائيلي “بيغاسوس” استهدف أكثر من 50 ألف هاتف شخصي لشخصيات عمومية في العالم، أغلبها في بلدان معروفة بمراقبة مواطنيها، الدول العربية في مقدمتها، حيث يشير التحقيق إلى أن نسبة كبيرة من الأرقام التي تم التجسس على أصحابها توجد في المغرب الذي أظهر التحقيق أنه استهدف أكثر من عشرة آلاف هاتف شخصي، تليه الإمارات والسعودية والبحرين، بالإضافة إلى دول معروفة بسجلها السلبي في خرق حقوق الإنسان، مثل المكسيك والمجر وأذربيجان وكازاخستان وباكستان، كما أورد التحقيق وجود أرقام تم التجسّس عليها في قطر واليمن وفرنسا والهند والولايات المتحدة. وباستثناء دول أثبتت تحرّيات المحققين أنها كانت مصدر التجسّس على هواتف مواطنيها أو مواطني دول أخرى، فليست كل الدول التي ورد ذكرها هي من يتجسّس على رعاياها، وإنما كان مواطنوها ضحايا تجسّس من دول أخرى. وهنا خطورة هذا البرنامج العابر للحدود والقادر على اختراق كل التحصينات الرقابية التي توفرها الدول لمواطنيها، وتجاوز كل القوانين والتشريعات التي تضعها الحكومات لحماية أمن رعاياها وصيانة حياتهم الخاصة. لذلك طالبت المفوضة العليا لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، ميشيل باشليه، بتنظيمٍ أفضل لتكنولوجيات المراقبة، وقالت إن ما تم الكشف عنه “يؤكّد الحاجة الملحّة إلى تنظيم أفضل لعملية بيع تكنولوجيات المراقبة ونقلها واستخدامها، وضمان مراقبة شديدة لها”.

خطورة هذا البرنامج في أنه يمتصّ جميع المعطيات في جهاز الهاتف المستهدف، بل ويمكن أن يحوله إلى أداة تسجيل وكاميرا لمراقبة صاحبه

ومن قراءة الاستنتاجات التي كشف عنها هذا التحقيق الذي ما زالت وسائل الإعلام التي أشرفت عليه تنشر معلوماته عبر حلقات، يمكن تسجيل ثلاث ملاحظات أولية: الأولى أن التجسّس استهدف، بالدرجة الأولى، الصحافيين والنشطاء والحقوقيين، ما يعني أن الأنظمة غير الديمقراطية باتت تستعمل وسائل التجسّس والمراقبة لإخراس منتقديها ومعارضيها. وفي هذا مسٌّ بحريّة الصحافة وحرية التعبير التي تعتبر جوهر قيمة الحرية الذي بدونها لا يمكن أن تقوم قائمة لأي مجتمع. ولا غرابة أن تركز ردود فعل الحكومات الغربية المندّدة بعمليات التجسّس هذه على ما ينطوي عليه فعل مراقبة الحياة الخاصة للصحافيين من تأثير كبير على حرية الصحافة التي تعتبر قيمة مقدسة في دول كثيرة في الغرب.

تتعلّق الملاحظة الثانية بخطورة البرنامج الذي تم استعماله في عملية التجسّس، وبما أن التحقيق يفيد بأن الهواتف المستهدفة خضعت للمراقبة منذ 2016، فهو يكشف أن الدول العربية الواردة أسماؤها في التحقيق باعتبارها “متهمة” بالتجسّس على مواطنيها كانت تستعمل هذا البرنامج، حتى قبل عمليات التطبيع التي أقدمت عليها الدول “المتهمة” نفسها مع الكيان الإسرائيلي نهاية عام 2020. وخطورة هذا البرنامج، حسب ما كشف التحقيق، في أنه يمتصّ جميع المعطيات في جهاز الهاتف المستهدف، بل ويمكن أن يحوله إلى أداة تسجيل وكاميرا لمراقبة صاحبه. وهنا لا بدّ من طرح السؤال بشأن حدود القدرة الخارقة لهذا البرنامج الذي يمكن أن يستعمله مخترعه ومصنعه للتجسّس على زبنائه أنفسهم. ولذلك لا يجب تصديق ادّعاءات الشركة الإسرائيلية صاحبة البرنامج عندما تبرّأت من الاستخدامات غير القانونية لبرنامجها من لدن زبنائها. فمن يستطيع أن يؤكد اليوم أن المعلومات الضخمة التي تم “اصطيادها” طوال فترة التجّسس ليست في حوزة مخترعي البرنامج، وبالتالي في حوزة دولة إسرائيل وأجهزتها الأمنية؟ ألا يمكن أن تكون الأنظمة التي استعانت بهذا البرنامج للتجسّس على مواطنيها قد فتحت الباب لأكبر وأخطر جهاز تجسس في العالم لمراقبتها هي نفسها ومراقبة مواطنيها؟ مع كل ما يطرحه الجواب عن هذا السؤال من مخاطر، قد تكون الأنظمة المستعملة لهذا البرنامج قد عرّضت له الأمن القومي لأوطانها وشعوبها!

الأنظمة غير الديمقراطية باتت تستعمل وسائل التجسّس والمراقبة لإخراس منتقديها ومعارضيها

 

تتعلق الملاحظة الثالثة والأخيرة بالمسؤولية القضائية التي لا يجب أن تقف فقط عند بيانات التنديد والشجب، وقد بدأت وسائل إعلام فرنسية بتحريك شكاوى قضائية ضد مجهول أمام قضاء بلادها لمحاسبة الأنظمة التي تجسّست على هواتف صحافييها. ولكن لا يجب أن تصرف هذه الشكاوي الانتباه عن المسؤول الأول والأخير عن واضعي هذا البرنامج، وهي الشركة الإسرائيلية، ومن خلفها الدولة العبرية وأجهزتها الأمنية، لأنه لا يمكن تصديق أن الأمر يتعلق بشركة توجد في “وادي السليكون” في أميركا، وإنما بذراع من الأذرع التكنولوجية لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية. وفي هذه الحالة، لا يجب فقط إنزال أشد العقاب على كل المسؤولين بتدرّج مسؤولياتهم من المخترع إلى المستعمل، وإنما يجب سن قوانين دولية تضع حدّاً لأي خرقٍ في المستقبل لحياة الأشخاص الخاصة، وتحمي ما تبقى من هامش ضيق من الحرية يسمح للناس بالتنفس، بعيداً عن رقابة “الأخ الكبير” الذي بات يسكن كل واحد منا.