"الإدارة الذاتية" تبحث عن اعتراف: خطوة للانفصال عن سورية؟

خطت “الإدارة الذاتية” ذات الطابع الكردي في الشمال الشرقي من سورية، باتجاه الحصول على “اعتراف سياسي” بها من قبل المجتمع الدولي، ما يثير القلق لدى قطاع واسع من السوريين، الذين يخشون أن تكون الخطوة محاولة لتشكيل إقليم في شرقي الفرات، يكون مقدمة لتقسيم سورية.

ودعا قائد “قوات سورية الديمقراطية” (قسد)، مظلوم عبدي، إلى المشاركة في حملة إعلامية على مواقع التواصل الاجتماعي أطلقها ما يُسمّى بـ”الإعلام الافتراضي في كردستان”، من أجل نيل اعتراف دولي بـ”الإدارة الذاتية” و”ضمان مستقبل منطقة شمال شرقي سورية”، وفق عبدي. كما دعا عدد من القياديين الأكراد في “مجلس سورية الديمقراطي” (مسد)، وهو الجناح السياسي لـ”قسد” ذو الثقل الكردي، للمشاركة في الحملة، مشيرين إلى أن “الإدارة الذاتية نموذج فعّال لحل الأزمة السورية، وشكل حضاري نهضوي يعبّر فيه الشعب عن حقه في تقرير مصيره، وطريقة مثلى في مشاركة السلطات بين المركز والمناطق/ الأقاليم السورية”.

دعا عبدي وقياديون أكراد إلى المشاركة في حملة إعلامية، من أجل نيل اعتراف دولي بـ”الإدارة الذاتية”

لكن الرئيس المشترك لـ”مسد”، رياض درار، نفى في حديث لـ”العربي الجديد”، أن تكون محاولة الحصول على اعتراف سياسي بـ”الإدارة الذاتية”، مقدمة لانفصال الشمال الشرقي من سورية. وقال درار: “هذا رأي من يراه كذلك. دائماً يوجد خصم للمشاريع البناءة، لأنه لا يرى أبعد من مصلحته”. وتابع: “القائمون على مشروع الإدارة الذاتية لشمال سورية وشرقها من عرب وأكراد وسريان آشوريين وتركمان وغيرهم من المشاركين، يرونه طريقاً لوحدة الشعوب على الأرض السورية وفق مفهوم الأخوة ومفهوم الشعب السياسي السوري الواحد”.
واعتبر درار أنه “لا بد من اعتراف بهذا المشروع الذي يحمل عن العالم عبء مواجهة إرهاب تنظيم داعش، ويقيم نظاماً لا مركزياً في جزء من الأرض السورية”، مضيفاً: “لا بد له من رعاية، ليكون بديلاً عن نظام الاستبداد، ونقطة جذب للقوى السورية الديمقراطية، ومستنداً للحل السياسي المنشود. اعتراف العالم به سيكون مساهمة في بدء الحل”.

وتشكّلت “الإدارة الذاتية” مطلع عام 2014 في محافظة الحسكة في أقصى الشمال الشرقي من سورية، ثم بدأت تتوسع بضم الأراضي التي تسيطر عليها “قسد” من تنظيم “داعش”، حتى باتت اليوم تضم كامل محافظة الحسكة وأغلب محافظة الرقة وريف دير الزور الشرقي، شمال نهر الفرات، ومدينة منبج وريفها في غربي نهر الفرات، إضافة إلى مدينة تل رفعت وقرى في محيطها في ريف حلب الشمالي. وخسرت هذه الإدارة منطقة عفرين في ريف حلب الشمالي الغربي مطلع 2018، ومدينتي تل أبيض في ريف الرقة الشمالي وريفها، ورأس العين في ريف الحسكة الشمالي الغربي وريفها، نتيجة عملين عسكريين قام بهما الجيش التركي. وتُعتبر “قسد” الذراع البرية للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، والتي كان لها دور كبير في القضاء على تنظيم “داعش” في شمال سورية وشرقيها.

ويضم الشمال الشرقي من سورية عددا كبيرا من الأكراد السوريين، خصوصاً في القامشلي وريفها وفي مدينة عين العرب في ريف حلب، إضافة إلى الآشوريين المنتشرين في محافظة الحسكة وتركمان وأقليات عرقية أخرى. ولا توجد إحصائيات يمكن الركون إليها لعدد السكان في مناطق “الإدارة الذاتية”، ولكن مصادر مطلعة رجّحت في حديث لـ”العربي الجديد”، أن يصل العدد إلى نحو 5 ملايين نسمة، جلّهم من العرب.

درويش: من حق الشعب في شمال سورية وشرقها نيل الاعتراف بتجربته

وفي تعليق على الخطوة، أشار القيادي في “قسد” شرفان درويش، في حديث لـ”العربي الجديد”، إلى “أن الإدارة الذاتية و”قسد”، شريكتان مع العالم بالحرب على أكبر تنظيم إرهابي يهدد العالم”، مضيفاً: “لكي يكون هذا النصر على هذا التنظيم (داعش) دائماً، يجب على المجتمع الدولي الوقوف إلى جانب هذه الإدارة ومساعدتها”. ورأى درويش أنه “من حق الشعب في شمال سورية وشرقها نيل الاعتراف بتجربته التي تعد الأنجح على الرغم من كل الظروف والضغوط التي تعرضت لها وفي كل المجالات”، مضيفاً أن “المجتمع الدولي مطالب بالقيام بواجبه تجاه الإدارة ومشاركتها بمساعي الحل السياسي في سورية، لأنه من دون مشاركة الإدارة، ستكون الحلول ناقصة، فلا يمكن أن ينجح هذا الحل من دون مشاركة كل السوريين”.

أما المتحدثة باسم حزب “الاتحاد الديمقراطي” سما بكداش، فأشارت في حديث لـ”العربي الجديد”، إلى أن “الإدارة الذاتية تؤسس لمشروع ديمقراطي في شمال شرقي سورية”، معربة عن اعتقادها بأنه “المشروع الأنسب لسورية”. وأضافت بكداش: “نسعى بجميع الوسائل لإكساب الإدارة الذاتية الشرعية”.

وتشير المعطيات السياسية إلى أن مسعى “الإدارة الذاتية” يواجه عقبات ليس من السهولة تجاوزها للوصول إلى اعتراف سياسي بها، أبرزها تركيا التي تعتبر “قسد” امتداداً لحزب “العمال الكردستاني” وتشكل تهديداً لأمنها القومي، ومن ثم فإن أنقرة ستقف في وجه أي محاولة للاعتراف بـ”الإدارة الذاتية” كطرف في المعادلة السياسية السورية. كما تواجه الإدارة رفضاً من الشارع العربي في شرقي نهر الفرات، الذي يخشى هيمنة كردية طويلة الأمد على القرار في المنطقة التي تضم كبريات القبائل العربية في سورية. وفي السياق، تواجه “الإدارة الذاتية” رفضاً صريحاً ومطلقاً من الائتلاف الوطني السوري المعارض الذي يتهم “قسد”، التي تشكل الوحدات الكردية ثقلها الأهم، بالسعي إلى سلخ الشمال الشرقي من سورية لإنشاء كيان كردي. من جهته، رفض النظام السوري الاعتراف خلال جولات حوار عدة في العاصمة دمشق، بمبدأ التشاركية في إدارة منطقة شرقي الفرات، مستودع الثروات الأكبر في سورية.

تواجه “الإدارة الذاتية” رفضاً من الشارع العربي في شرقي نهر الفرات

وحتى الشارع الكردي السوري، يقف قطاع واسع منه في وجه طموح “الإدارة الذاتية” التي يهيمن عليها حزب “الاتحاد الديمقراطي”. ويحاول الأخير تهميش الأحزاب التي تشكل “المجلس الوطني الكردي”، الذي يحظى بتأييد كبير في هذا الشارع. وأكد عضو تيار “المستقبل الكردي” في سورية، فارس تمو، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن “الشارع الكردي المنتمي للحاضن الوطني السوري يرفض تماماً الإدارة الذاتية التي يقودها حزب العمال الكردستاني، ويعتبرها مجرد وهم وخديعة كبرى من قبل نظام الأسد”. ويضيف: “هذا الحزب حليف نظام الأسد الذي أدخله إلى سورية عام 2011 لقمع الثورة في الشارع الكردي، ومارس أساليب القتل والترهيب وارتكب المجازر بحق الأكراد السوريين المنتمين للثورة”. وبيّن تمو أنه “لا يزال هناك 3286 ناشطاً كردياً سورياً مختطفاً من قبل الحزب”، مضيفا: “كما اغتال أكثر من 60 من قادة الحراك الثوري الكردي السوري”. وشدّد على أن “الأكراد السوريين غير المنتمين إلى وصاية أربيل (عاصمة إقليم كردستان العراق) أو انتداب قنديل (مقر حزب العمال الكردستاني)، والمنتمين للحاضن الوطني السوري، يرفضون اعتبار الإدارة الذاتية على أنها إدارة كردية، ويرفضون اعتبارها كياناً سياسياً سورياً، بل هي مليشيا عسكرية محتلة مثلها مثل المليشيات الإيرانية والعراقية وحزب الله اللبناني”.