مهازل الديكتاتوريين العرب

يفهم الرئيس الديكتاتور في كل شيء. ما شاء الله كان، اللهم صلّ ع النبي المصطفى، دقّوا على الخشب .. الرئيس عندنا لا يجيء إلى السلطة بتآمره على رفاقه، ولا بانقلاب عسكري، ولا بدعم من دولة (استعمارية، إمبريالية، صهيونية، حقيرة)، وإنما يأتي استجابة لابتهالات أهل البلاد! الشعار الذي ملأ جدران المدن السورية في مستهلّ انقلاب الحركة التصحيحية 1970: طلبنا منا الله المَدَدْ، فأرسل لنا حافظَ الأسدْ.

المشكلة في الديكتاتور أنه، بعدما يتمكّن من جعل أهل البلاد التي يحكمها يحبّونه غصباً عن الذين خلّفوهم، يبدأ التفكير بالارتفاع فوق النطاق المحلي. لا أعرف ديكتاتوراً عربياً ادّعى أنه زعيم دولتين أو ثلاث. يا عمّي، شو هالتواضع؟ ثلاث أربع دول فقط؟ كلهم، يا سيدي، يتطلّعون إلى قيادة الأمة العربية، من الماء إلى الماء. طبّالو صدّام حسين وزماروه ودبيكتُه أطلقوا عليه لقب “صدّام العرب”، وكانوا يسمّونه في أدبياتهم “قائد الأمة العربية”، ومثله معمّر القذافي الذي أطلق على الدولة الغلبانة ليبيا اسماً إمبراطورياً مرعباً: الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى … في حين كان الدّبيكة والنخّيخة والسحّيجة في المسيرات المليونية المؤيدة لحافظ الأسد ينشدون، على نحو مُوَقَّع: حافظْ – أسدْ – رمز الثورة العربية..

كانت الجموع المؤيدة لجمال عبد الناصر تهتف: من المحيط الهادرِ إلى الخليج الثائرِ، لبيكَ عبدَ الناصرِ. في هذا الهتاف، يظهر الخلط الناتج عن السَجْع جلياً بإلصاق صفة “الثائرِ” بالخليج العربي. ألصقوها بالخليج إرضاءً لعبد الناصر الذي يفترضون أنه قاد “ثورة” الضباط الأحرار 23 يوليو 1952، وهي، في نظرهم، ثورة عربية شاملة. مع العلم أن الثورة الحقيقية، الوحيدة، التي شهدتها مصر في العصر الحديث، هي ثورة 1919، التي أنتجت دستور 1923، وعلى إثره سادت حياة ديمقراطية بقيادة حزب الوفد، على الرغم من وجود الملك وقوات الاحتلال البريطانية.

ما لا يعرفه كثيرون أن اللواء محمد نجيب كان قائد الحركة الانقلابية في ذلك الوقت، بينما كان عبد الناصر وصحبه ضباطاً صغاراً، برتبة “بكباشي”، يعني مقدّم أو رائد (الأصح “بينباشي”، وهي كلمة تركية Binbaşı، تعني قائد الألف جندي). مَن يقرأ سيرة اللواء محمد نجيب يعرف أنه أراد أن يحوّل الانقلاب إلى ثورة حقيقية، تعزّز الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، وحكم الشعب، في مؤسسات الدولة، وليس من فرد واحد، وعبد الناصر انقلب عليه، عزله، ووضعه تحت الإقامة الجبرية، في منزل متّسخ، متداعٍ، سيئ. (توفي في 28 أغسطس/ آب 1984)، وألغى، في سنة 1954، الحياة السياسية، وأمّم الصحف، وجعلها تعمل بإمرته، ومنح عبد الحكيم عامر خلال ساعة واحدة ترفيعاتٍ عسكرية تحتاج إلى ثلاثين سنة خدمة مع الدراسة، فجعله برتبة لواء، ثم مشير، وسلّمه قيادة الجيش. وبذلك يكون قد رفع الصغير، كما يقولون، وخفّض الكبير، مثلما يفعل الطغاة في كل زمان ومكان. وبالمناسبة: مغامرة ناصر وعامر العسكرية المرتجلة هي التي أوصلت مصر (ومعها سورية والأردن وفلسطين) إلى الهزيمة المنكرة في سنة 1967.

استنسخ عبد الفتاح السيسي طريقة حافظ الأسد في الحكم بحذافيرها تقريباً. كان حافظ يلقّب الفلاح الأول، والعامل الأول، والقاضي الأول، والشبيبي الأول، والطالب الأول، والطليعي الأول، وهو القائد الأعلى للجيش، وللأمن الداخلي، وللجبهة الوطنية التقدّمية، والأمين العام للحزب، وكل شيء .. السيسي، الآن، رئيس كل شيء في مصر، بما في ذلك القضاء الذي كان في مصر شبه مستقل. أما بشار الأسد فقد اقتبس من عبد الناصر فكرة الترفيع، فمع أن معظم السوريين يشكُّون في تلقّيه أي نوعٍ من العلوم العسكرية، رفّعه النائب عبد الحليم خدّام في سنة 2000، خلال ربع ساعة، ترفيعاتٍ تحتاج إلى ثلاثين سنة، وجعلوه كل شيء في سورية، مثل والده حافظ، وعمّه صدّام، وعمّه جمال.