انقلاب 3 يوليو… وداعاً للإعلام أهلاً بالدراما المصرية

بات من الواضح أن النظام المصري، بعد استغلاله الصحافة لسنوات، يتحضّر للانقلاب على المؤسسات الإعلامية، لأسباب عدة، أبرزها أنها لا تحقق أهدافه بشكل كامل. وهو ما دفعه لاستخدام سلاح آخر هو الدراما التي رأى أنها أكثر فاعلية من الإعلام.

وفي هذه الخطوة يتشابه النظام الحالي مع نظام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي اعتمد كثيراً على الفن من خلال إنتاج أفلام ومسلسلات وبرامج في الإذاعة تروّج لأفكاره.

هكذا أحكمت السلطة الحالية سيطرتها على شركات الإنتاج الفني، وأصبحت توجّه المؤلفين والمخرجين لإظهار صور ورسائل بعينها والتركيز عليها. بدأت هذه الخطة في الأسابيع التي سبقت انقلاب 3 يوليو/تموز 2013. إذ كان دور الإعلام واضحاً في التحريض على الإطاحة بنظام الرئيس المعزول الراحل محمد مرسي، وذلك عبر برامج ومقالات لنخبة الصحافيين في المؤسسات المحلية وحتى العربية. وبعد 30 يونيو/حزيران ثمّ عزل مرسي، باتت تعقد جلسات أسبوعية للصحافيين في حديقة منزل الرئيس عبد الفتاح السيسي، وقد كان وقتها لا يزال مشيراً. ومن بين من شارك في هذه الجلسات الصحافيان إبراهيم عيسى ومحمود الكردوسي والمذيع يوسف الحسيني. وبالفعل شارك هؤلاء ومعهم إعلاميون آخرون بتعبيد الطريق لوصول السيسي إلى رئاسة الجمهورية عام 2014.

منذ تلك السنة بدا أن النظام يطبّق خطة واضحة المعالم بالتخلص نهائياً مما تبقى من الصحافة والإعلام في مصر. وقد بدأ ذلك بهجوم من الأجهزة الأمنية على وسائل الإعلام المختلفة، وأجبرت مالكيها من رجال أعمال، على بيعها حتى أصبحت كل وسائل الإعلام تقريباً في قبضة النظام.

فطن النظام مبكراً إلى أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه الميديا
 

استمرّت الخطة في خطوتها التالية وهي التخلص نهائياً من الاعتماد على الصحافة والإعلام في البلاد، كسلاح أوحد، أو حتى أول، فأخذ النظام يقلص تدريجياً في المحتوى الذي تقدمه تلك المحطات والصحف، ويقلل من أعداد الصحافيين والفنيين والعاملين عموماً في تلك المؤسسات، حتى أصبحت البرامج التي تقدم، بما فيها الـ”توك شوز”، تعد على أصابع اليد الواحدة بعدما كانت بالعشرات، وانحسرت الصحافة والإعلام في مقابل ازدهار “الإنتاج الفني”.

رؤية النظام للصحافة والإعلام جسدها الصحافي إبراهيم الجارحي في أحد مؤتمرات الشباب التي حضرها الرئيس المصري عام 2016 عندما ردَّ على حديث للصحافي إبراهيم عيسى عن أهمية دور الصحافة. فقال الجارحي “شهدت هذه الفترة تجبُّر الإعلاميين، لأنهم ظنوا في أنفسهم أنهم قادة رأي سياسيون، هو يظن أن الكلام اللي بيقوله في البرنامج هذا تيار سياسي”. وأضاف: “حتى المؤيد للدولة يتحول إلى نيران صديقة من مقدار هذه الثقة واللي هو شايف مصلحة الدولة أكثر من الدولة”، وهنا قاطعه إبراهيم عيسى بانفعال قائلاً “من قال مين اللي شايف مصلحة الدولة أكثر من الدولة”، فقال السيسي وقتها “يا أستاذ إبراهيم، وليكم كلكم يا اللي بتتكلموا عن الرأي وتوعية الناس”، ملوحا بحركة الملاكمة وكأنه مستغرب، فرد عليه عيسى “يا سيادة الرئيس، ده التنوع المشروع والمطلوب والمفروض يبقى بدون هذا الاختلاف والتنافر في الرأي مع الود والمحبة، ده اللي هيخلينا نتقدم، إنما لا أنا بصادر على إبراهيم ولا إبراهيم بيصادر علي”.

وبعدها مباشرة أوقف برنامج إبراهيم عيسى، كما أوقف العديد من البرامج الأخرى، ثم أنشأت المخابرات العامة شركة جديدة تسمى “المجموعة المتحدة”، أحكمت سيطرتها على جميع وسائل الإعلام والصحف، وركزت جهدها في الإنتاج التلفزيوني والدرامي. قصة النظام الحالي مع الدراما بدأت مبكراً، عندما حاول سلاح الشؤون المعنوية للقوات المسلحة إنتاج فيلم يجسد “مسيرة السيسي”، فلجأ إلى السيناريست الأبرز في مصر، الكاتب الراحل وحيد حامد، الذي كتب فيلماً بعنوان “سري للغاية”، تم تعديله بعد ذلك وتصويره بالاستعانة بالمخرج محمد سامي، إلا أنه في النهاية لم يعجب السيسي فتم حرق الفيلم بعد صرف نحو مليار جنيه. كان اسم مشروع وحيد حامد الأصلي “أيام الثورة والغضب”، ثم تحول إلى “سري للغاية”، بعدما ذهب الورق إلى وزارة الدفاع ومنها إلى الرئيس المصري، الذي أجرى الكثير من التعديلات على السيناريو.

عبّد الصحافيون والإعلاميون طريق السيسي إلى رئاسة الجمهورية

وبحسب مصدر تحدث إلى “العربي الجديد”، فقد ذهب الراحل وحيد حامد إلى إدارة الشؤون المعنوية للقوات المسلحة، ومقرها مصر الجديدة، ليشاهد 4 ساعات من التصوير كان رأيه أنها بلا فن ولا سياسة، وأن الممثلين في أسوأ أحوالهم رغم الأموال الطائلة التي تقاضوها، فسأله المنتج المقرب من الجيش والمسؤول حالياً عن الإنتاج الفني في الشركة المتحدة كامل أبو علي: “هل تستطيع فعل شيء؟”، فرد وحيد حامد: “بالطبع لا، وأنا قلت لك من البداية إن الفيلم لن ينجح بهذا الشكل”.

كرس النظام كل جهده وماله لملف الدراما التلفزيونية، وخصوصاً في شهر رمضان، حيث استعان بجيش كامل من الفنانين والفنيين وكتاب السيناريو والمخرجين، وعين عليهم لجاناً لمراقبة ما يكتبونه حتى يخرج المنتج النهائي الدرامي حسب رؤية النظام. رصد النظام المصري لهذه الأعمال الفنية ميزانيات مفتوحة، وأكدت مصادر من داخل المجموعة المتحدة المملوكة للمخابرات العامة، والتي تقوم بإنتاج المسلسلات الرمضانية، أن نحو 3 مليارات جنيه صرفت على المسلسلات، إلى جانب جهود المؤسسة العسكرية والشرطة حتى يتم إنتاج هذه الأعمال، التي هي في معظمها أنتجت لتزييف التاريخ، وصناعة أساطير وبطولات خارقة تسبغها على الجيش والشرطة، وتحويل وقائع إجرامية، كجريمة فض رابعة، إلى معارك مقدسة، كما حدث في مسلسل “الاختيار 2″، الذي عرض خلال رمضان الماضي، وهو المسلسل الذي رأى كثيرون أنه يكرس حالة الانقسام المجتمعي، ويعمق الاستقطاب والخصومة بين أبناء الشعب الواحد.

تحويل وقائع إجرامية، كجريمة فض رابعة، إلى معارك مقدسة، كما حدث في مسلسل “الاختيار 2”

وبسرعة تحولت الدراما التلفزيونية التي من المفترض أن يقدّمها مبدعون أصحاب خيال، إلى معالجة درامية لأفكار السيسي التي يعبر عنها في مؤتمراته وحفلاته، فأصبحت الأعمال التلفزيونية مجرد دعاية سياسية فجّة، تم تقديمها في قالب فني، بواسطة مجموعة من الفنانين.

وكمثال على ذلك أنتج مسلسل “إلا أنا”، الذي عرض على قنوات DMC التابعة للشركة المتحدة للإعلام وتخضع بدورها للمخابرات المصرية. المسلسل تدور أحداثه في حلقات منفصلة متصلة، تتناول قضايا مختلفة معظمها تتعلق بقضايا المرأة التي يتطرّق لها الرئيس المصري مراراً؛ فهناك حلقات تتحدث عن المواريث، وعدم إعطاء المرأة حقوقها، وأيضاً الطلاق والخلع، وهي موضوعات ناقشها الرئيس وتحدث فيها في لقاءاته المفتوحة. بمجرد أن خرج السيسي متحدثاً عن قضية الطلاق والمواريث في أحد لقاءاته، وأثناء الاحتفال بعيد الشرطة في يناير/ كانون الثاني 2020، حين طالب بعدم وقوع الطلاق الشفهي، وأن الطلاق يجب أن يكون مسجلاً، مشيرا إلى أنه “طبقاً لإحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، فإن 40% من المتزوجين يطلقون خلال السنوات الخمس الأولى للزواج”، معتبراً أن هذه “نسبة كبيرة وتكون لها سلبيات على الأسرة والأجيال المقبلة”. أضاف حينها أن مثل هذا القانون سيكون الهدف منه “إعطاء الناس فرصة لمراجعة نفسها بدلاً من أن يتم الطلاق بكلمة يقولها (الزوج) هكذا” في أي لحظة. توجه السيسي بعد ذلك إلى شيخ الأزهر الإمام أحمد الطيب، الذي كان يحضر الاحتفال قائلاً بالعامية: “ولا إيه يا فضيلة الإمام؟”، ثم أردف “تعبتني يا فضيلة الإمام”.

وأمام رفض الأزهر، قررت “المتحدة للإعلام” ترجمة هذه الفكرة في عمل درامي، فصدرت الأوامر من تامر مرسي، رئيس مجلس الإدارة السابق، إلى العاملين بالشركة بضرورة العمل على إنجاز مشروع درامي يناقش كل مطالبات الرئيس، وحتى لا يبدو أن الأمر تكليف مباشر، تم إسناد تنفيذ المسلسل إلى شركة “أروما”، ليتم إنتاجه بتعاون بين الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية و”أروما” للمنتج تامر مرتضى، والمسلسل كان يحمل اسم “ما لا يعرفه الرجال”، وتم تغييره إلى “إلا أنا”.

وبادر الصحافي المصري يسري الفخراني والمسؤول عن الدراما في قنوات DMC بالتطوع ليقول إنه صاحب المبادرة والمشرف على المشروع بوصفه كاتباً مؤهلاً للقيام بهذا الدور. وبدأ الفخراني في الاتصال بمجموعة من شباب كتاب الدراما الذين يعملون بنظام الورش في صياغة السيناريو، وتم تكليف كل فريق بصياغة عشر حلقات عن كل قضية من القضايا التي ناقشها السيسي وتحدث فيها، ليطلق سلاحه الإعلامي في مواجهة شيخ الأزهر، ظنا منه أنها قد تكون محاولة لتشكيل رأي عام يستطيع من خلالها الضغط لتغيير المفاهيم حسبما يراها.

لكن يظل السؤال: هل هناك جدوى من دراما صُنعت بالأمر المباشر؟ وفي أقل من ثلاثة شهور تمت صياغة الأفكار، واختيار فريق العمل والتصوير وإذاعة أول قصتين.