كواليس اعتقال حسن راتب: مآخذ النظام المصري تقلل فرص التسوية

تسبب نبأ القبض على رجل الأعمال الشهير حسن كامل راتب، رئيس مجلس إدارة جامعة سيناء الخاصة وعدد من القرى السياحية والمصانع بسيناء ومؤسس قناة “المحور” الفضائية، في هزة كبرى عبر الأوساط الاقتصادية والسياسية في مصر. وراتب كان معروفاً بعلاقته الوطيدة بنظام الرئيس الراحل حسني مبارك، وكان يعتبر من رجال الأعمال المقرّبين أيضاً للنظام الحالي، ومن الذين حظوا بمكانة آمنة خلال السنوات الماضية، بسبب صلاته ومشروعاته الكبيرة. لكن السلطات نسبت لراتب الاشتراك مع النائب الأسبق علاء حسانين في تمويل وإدارة عصابة كبيرة للاتجار في الآثار والتنقيب عنها بشكل غير مشروع.

وحول هذه التطورات، يشير مصدر أمني لـ”العربي الجديد” إلى أن حسانين هو من أرشد عن راتب، الذي اعتُقل صباح أول من أمس الإثنين، لكن لم يُعلن ذلك إلا مساء اليوم نفسه. من جهتها تكشف مصادر أمنية وقانونية لـ”العربي الجديد” أن التحقيقات حملت مفاجآت عدة، من بينها أن حسانين كان قد أوهم عدداً من الشخصيات السياسية ورجال الأعمال المشهورين بقدرته على توظيف الأموال في مجالات مختلفة. وحصل جرّاء ذلك على عشرات ملايين الجنيهات منهم على مدار أربعة أعوام على الأقل، واستخدمها في التنقيب عن الآثار والاتجار فيها داخل البلاد وخارجها. وكان يرد للممولين أموالهم مضافة عليها نسبة ربح عالية، مما أغرى شخصيات أخرى بإعطائه أموالها لتوظيفها.

وتشير المصادر إلى أن بعض هؤلاء الأشخاص، ومنهم راتب، عرفوا بطبيعة نشاط التوظيف الذي يمارسه حسانين في وقت سابق، وأن هناك سياسيَين نافذيَن لدى أجهزة الدولة، ورد ذكرهما في التحقيقات، باعتبارهما ممن موّلوا، بعلم أو من دون علم، نشاط حسانين في التنقيب عن الآثار والاتجار. وتوضح المصادر أن حسانين تعمّد في التحقيقات ذكر أسماء شهيرة كممولين أو متعاونين معه، ظناً منه بأنه سيحمي نفسه بهم، لكن التعليمات الصادرة من دائرة الرئيس عبد الفتاح السيسي للداخلية والنيابة العامة حتى الآن “واضحة تماماً بالمضي في القضية لأبعد نقطة ممكنة”، في إطار رغبة النظام الحاكم في السيطرة على الأنشطة المالية غير الشرعية والتحكم في حركة الأموال داخل الدولة ومركزية مراقبتها.

يرغب النظام في السيطرة على حركة الأموال داخل الدولة

وتلفت المصادر إلى أن جهات التحقيق ستستجوب خلال الأسبوع الحالي جميع الأشخاص الذين ذكرهم حسانين، للتأكد من مدى معرفتهم بطبيعة نشاطه أو جهلهم بذلك، مرجحة أن يكون “سؤال السياسيَين الشهيريَن اللذين ورد اسمهما في التحقيقات، نقطة مفصلية في مسار القضية. بالتالي إما أن توجه لهما أصابع الاتهام لتتحول القضية إلى فضيحة سياسية كبيرة، أو يتم وقف التحقيقات عند هذا الحد والاكتفاء بمحاكمة حسانين وأفراد عصابته وحسن راتب فقط”.

وفيما يتعلق بموقف راتب، تفيد المصادر بأنه عرض فور القبض عليه ومواجهته بتمويل نشاط حسانين تسليم الدولة كل الأموال التي حصل عليها منه، مدّعياً أنه لم يعلم بطبيعة نشاطه إلا بعدما سلمه حصته المتفق عليها من الأرباح، وأنه لم يكن يحتاج من الأساس لهذه الأموال، وأنه أعطاه إياها بسبب علاقة الصداقة بينهما. وتكشف المصادر عن تواصل العديد من الأشخاص المقربين من راتب بأكثر من جهة رسمية، قبل الإعلان عن القبض عليه، بهدف التوصل إلى اتفاق لتسوية القضية. وتلفت إلى تقديمهم عروضاً، منها التنازل عن بعض ممتلكاته، لكن سابقة تخليه بالفعل عن الحصة الحاكمة في قناة “المحور” الفضائية، تجعل موقفه أكثر صعوبة وابتعاداً عن احتمال إجراء تسوية.

وتصف المصادر موقف راتب بـ”الضعيف”، بسبب ما يؤخذ عليه من وجهة نظر مسؤولين نافذين في النظام، من التراخي في التبرع للدولة وتضخيم مصالحه الخاصة من دون سداد بعض المستحقات الضريبية، ورفض إشراك بعض الشخصيات التابعة للمخابرات العامة في مشاريعه. وتكشف عن سريان شائعة قوية منذ أيام، مفادها بأن راتب سيبيع للدولة، أو ممثليها التابعين للأجهزة السيادية، عدداً من مصالحه الاقتصادية، وعلى رأسها جامعة سيناء، لكنه أصدر بياناً ينفي هذه الأنباء، ثم زار مقرّ الجامعة منذ أسبوع.

ولم يبدِ راتب طوال السنوات السبع الماضية أي مواقف معارضة للنظام أو دوائره، محاولاً تحقيق أكبر قدر من الاستفادة والحماية لمشاريعه الأخرى، وعلى رأسها جامعة سيناء الخاصة التي تعتبر إحدى أكثر المؤسسات التعليمية الخاصة تحقيقاً للأرباح، وشركة “سما للتنمية العمرانية” مالكة العديد من المشاريع السياحية والعقارية.

أما في ملف قناة “المحور” التي أسسها راتب في عام 2013 لخدمة النظام، فقد اشترى عضو مجلس الشيوخ محمد منظور، نصف أسهمها، في مارس/ آذار الماضي. مع العلم أنه سبق لمصدر من داخل القناة أن ذكر لـ”العربي الجديد” أن تخلي راتب عن القناة كان مسألة وقت، بسبب ارتفاع تكاليف تشغيلها وانهيار عوائدها المالية. ووجد راتب أن الصفقة الأفضل بالنسبة له بيعها لأحد هذه الأجهزة بشكل مباشر، لكنه طلب السماح له بالظهور الإعلامي بها بصورة غير دورية، علماً بأنه كان يستأثر لفترات بتقديم بعض الفترات المفتوحة بصحبة فنانين ورجال أعمال من أصدقائه.

ومرت القناة بحالة انعدام وزن بسبب التدخلات المخابراتية والأمنية في إدارة راتب لها وتقاطعها مع خلافاته مع القيادات التحريرية بالقناة، فمنذ مطلع عام 2020 تعاقب على القناة أربعة رؤساء، باختصاصات وتسميات مختلفة، تبادلت الأجهزة وراتب الاعتراض على أداء كل منهم لأسباب مختلفة. بعدها، استقرت رئاسة القناة عند الصحافي عمرو الخياط الموثوق لدى الأمن الوطني تحديداً، والمرضي عنه أيضاً من قبل جهاز المخابرات العامة، ويرأس تحرير صحيفة “أخبار اليوم” منذ عام 2017، ويخصص مقاله الأسبوعي في أحيان كثيرة لمهاجمة المعارضين وذوي الأفكار المختلفة عن الاتجاه الرسمي. لكن أبرز ما لفت الانتباه في صفقة “المحور” هو إسناد ملكيتها لمحمد منظور، الذي ظهر من العدم تقريباً عام 2015 كمرشح لحزب “مستقبل وطن” عن دائرة مصر الجديدة والنزهة، قبل أن يصعد نجمه في السنوات التالية، ليصبح نائباً لرئيس الحزب وعضواً بمجلس الشيوخ منتخباً ضمن “القائمة الموحدة”، وعضواً معيناً باتحاد الغرف التجارية ورئيساً بالتزكية لغرفة شركات الأمن والحراسة.

تخلّى راتب عن قناة “المحور” في وقتٍ سابق من العام الحالي

ولا يمكن فصل القبض على راتب بهذه السهولة عن حملات الدولة المستمرة على أصحاب رؤوس الأموال غير الموالين لها بشكل كامل، وعلى رأسهم صفوان ثابت ونجله سيف الدين مالكا شركة “جهينة” المتهمان بتمويل جماعة الإخوان والمعتقلان والمتحفظ حالياً على أموالهما. كما ضيّقت السلطات على رجب السويركي صاحب سلسلة “محال التوحيد والنور”، وأجبرت رجل الأعمال صلاح دياب على بيع عدد من مشاريعه الخاصة، وعلى رأسها صحيفة “المصري اليوم”. وأدت الحملات إلى خلق طبقة جديدة من رجال الأعمال المقربين للسلطة، وفي نفس الوقت تخويفهم من مصير الآخرين.

وبعد مرور أكثر من سبع سنوات على وصول السيسي للسلطة أصبح التعاون مع أجهزة نظامه وفقاً لشروطها الملاذ الآمن لرجال الأعمال، الذين كانوا يتصورون أن في استطاعتهم استغلال نفوذهم لتوجيه النظام الجديد أو تعطيله لإعادة إنتاج نظام مبارك. مع العلم أن السيسي كان قد استهل حكمه بتشديد الخناق على هذه النوعية تحديداً من المستثمرين المصريين، بتحريك أتباعه لتقديم بلاغات ضدهم إلى النائب العام، أو اتخاذ إجراءات تتعلق بالممارسة الاحتكارية وملاحقتهم بالضرائب، فضلاً عن إصدار أحكام بعدم صلاحية أبرزهم وهو أحمد عز لمباشرة حقوقه السياسية. وفسّر مجتمع الأعمال تلك التحركات “العقابية” وقتها باعتبارها رداً من السيسي على تجاهل رجال الأعمال لمطالبته لهم خلال فترة ترشحه للرئاسة “التبرع لصالح مصر لإنقاذها من المأزق التي تمرّ به” بعدما تساءلوا حول كيفية إدارة هذه الأموال، وطرق إنفاقها بشفافية ووضوح، وكذلك المكاسب التي سيحصلون عليها مقابل هذه التبرعات.