هروب الدولارات … المستثمرون يخرجون من الأسواق الناشئة

توقعت مؤسسات مالية وصناديق استثمار عالمية كبرى أن تدخل الأسواق الناشئة دورة جديدة من هروب العملة الأميركية شبيهة بما حدث في الربع الأول من العام الماضي 2020، وأن تتسبب هذه الموجة في إثارة القلاقل الاقتصادية داخل هذه الأسواق خلال السنوات المقبلة.

وتشير بيانات معهد التمويل الدولي في واشنطن الصادرة الأسبوع الماضي إلى أن المستثمرين الأجانب باعوا أصولاً صافية في الأسواق الناشئة تقدر بنحو 10.8 مليارات دولار في شهر مايو/ أيار الماضي.

من جانبها تشير مؤشرات مصرف “جي بي مورغان” الخاصة بالأسواق الناشئة إلى أن نحو 377 مليون دولار هربت من أصول الأسواق الناشئة في أسبوع واحد، وهو الأسبوع المنتهي في 18 يونيو/ حزيران الماضي.
وتقول نشرة “نيكاي” اليابانية إنّ النمو غير المتوازن بين الاقتصادات المتقدمة، وعلى رأسها كل من الولايات المتحدة والصين، وبين الاقتصادات الناشئة واحتمال تشديد السياسة النقدية الأميركية تدفع كبار المستثمرين لإعادة تقييم مراكزهم في الأسواق الناشئة.

مصرف “جي بي مورغان”: نحو 377 مليون دولار هربت من أصول الأسواق الناشئة في أسبوع واحد

في ذات الصدد، تشير “آي تي أف ستريم” الأميركية في تحليل يوم الأربعاء إلى أن الأسواق الناشئة تعاني من النمو الاقتصادي الضعيف، وتواجه خيارات صعبة في توجيه دفة مسار السياسة النقدية في المستقبل، بين خيار المحافظة على السياسة النقدية المرنة لمساعدة الشركات والأعمال التجارية على دفع النمو الاقتصادي، أو تشديد السياسة النقدية لحماية الاستثمارات الأجنبية من الهروب من أسواقها.

في ذات الشأن، قالت دراسة صادرة عن سلطات النقد بسنغافورة (البنك المركزي)، نشرت “نيكاي” اليابانية مقتطفات منها، إن ارتفاع سعر صرف الدولار بنسبة واحد في المائة يعني هروب استثمارات أجنبية من الأسواق الناشئة تقدر نسبتها بنحو 0.3% من إجمالي الناتج المحلي للأسواق الناشئة.

وهذا معدل ينذر الأسواق الناشئة بالخطر الكبير وربما يدفع بعضها للعجز عن تسديد ديونها السيادية بالعملات الصعبة ويطلق موجة إفلاسات بين شركاتها.

ودعت الدراسة البنوك المركزية الناشئة إلى أن تضع في حسابها وفي وقت مبكر مخاطر ارتفاع سعر صرف الدولار على أسواقها ونموها الاقتصادي.

وحتى الآن، يتردد مجلس الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) في رفع سعر الفائدة خلال عامين وحتى عام 2023 على الرغم من مخاوفه من زيادة معدل التضخم والإشارات التي أطلقها في الأسبوع الماضي.

ويرى محللون أن هنالك أكثر من أربعة مخاطر تواجهها الأسواق الناشئة في حال تشديد السياسة النقدية الأميركية ورفع سعر الفائدة على الدولار.

وهذه العوامل هي: هبوط أسعار السلع الأولية التي تعتمد عليها الاقتصادات الناشئة في الحصول على العملات الصعبة، وتراجع سعر صرف عملاتها المحلية مقابل الدولار، وهو ما سيقود تلقائياً إلى ارتفاع معدل التضخم، وهروب الاستثمارات الأجنبية من أسواقها إلى السوق الأميركي، وهو ما سيعني معاناة اقتصاداتها في الحصول على التمويلات الأجنبية المطلوبة لدفع عجلة النمو الاقتصادي، وأخيراً ارتفاع فاتورة خدمة ديونها الأجنبية الدولارية.

يرى محللون أن هنالك أكثر من أربعة مخاطر تواجهها الأسواق الناشئة في حال تشديد السياسة النقدية الأميركية ورفع سعر الفائدة على الدولار

على صعيد الدول العربية، من المتوقع أن تعاني الدول غير النفطية التي تواجه حالياً ظروفاً صعبة من حيث ارتفاع فاتورة الأغذية المستوردة، وصعوبة الحصول على تمويلات جديدة، لكن في المقابل فإن الدول النفطية تعيش فترة من الرخاء النسبي بسبب دورة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي التي رفعت من إيراداتها الدولارية، حيث يباع النفط بالدولار، كما قللت من حاجتها للتمويل عبر إصدار سندات الديون.

ومن المتوقع أن يساهم أي ارتفاع في الدولار في تقليل فاتورة الواردات بالدول النفطية التي تستورد معظم احتياجاتها من الأسواق الناشئة في آسيا.
على صعيد تداعيات قيمة الدولار على أسعار السلع الأولية، يقول صندوق “فيدلتي إنترناشونال”، البريطاني، في تحليل بموقعه يوم السبت، إن “الدولار القوي سيدفع أسعار السلع الأولية المقومة به للهبوط وتعديل المستثمرين لمراكزهم الاستثمارية تبعاً لتوجهات الورقة الخضراء”.

ويحذر الصندوق من مخاطر هذا التوجه على توفر الدولارات المتاحة بالأسواق الناشئة. كذلك يرى تحليل الصندوق الاستثماري أن ارتفاع الدولار سيعني ارتفاع قيمة الرسوم التي يدفعها المستثمرون الأجانب للتحوط ضد مخاطر الأسواق الناشئة.

وفي ذات الصدد يحذر خبير الأسواق الناشئة بصندوق “فانغارد” الاستثماري في لندن، نيك أيزنغر، في تحليل يوم الأربعاء بنشرة “إنفستمنت ويكلي”، من النقص الحاد في التمويلات المتاحة بالدولار بالأسواق الناشئة في حال رفع سعر الفائدة الأميركية.

وبينما تحتفظ المصارف الأميركية بالسيولة الدولارية في الوقت الراهن وتراكم تريليونات من الدولارات انتظاراً للعائد المرتفع، يتوقع محللون أن تتعمق أزمة الأسواق الناشئة الباحثة عن العملة الأميركية لتلبية متطلبات تمويلات القروض التي استدانتها بالعملات الصعبة.

ويتخوف محللون من تداعيات تزايد فجوة النمو غير المتوازن الذي يواجه العالم في سنوات ما بعد جائحة كورونا، إذ إن اتساع الفجوة في النمو غير المتوازن قد يهدد الاستقرار السياسي في الدول النامية ويزيد الهجرة من الدول الفقيرة في أفريقيا وآسيا إلى أوروبا ومن دول أميركا اللاتينية إلى الولايات المتحدة.

وربما يقود النمو غير المتوازن في سنوات ما بعد الجائحة الراهنة إلى تغذية التيارات الشعبوية في الديمقراطيات الغربية ويهدد النظام الرأسمالي الذي يسعى للتحالف لاحتواء التمدد التجاري والتقني الصيني وفق مراقبين.