جدل قناة إسطنبول: صراع مستمر بين الحكومة والمعارضة

تضع الحكومة التركية، اليوم السبت، حجر الأساس لمشروع قناة إسطنبول المائية، بعد 10 سنوات على طرح المشروع والحديث عنه للمرة الأولى، من قِبل الرئيس رجب طيب أردوغان، وما رافق ذلك من جدل بعد إعلان المعارضة التركية رفضها للمشروع، لأسباب مختلفة. وقادت المعارضة حراكاً مضاداً لمشروع قناة إسطنبول، وحتى للحديث عن تخصيص الحكومة قوى عسكرية لتوفير الحماية لأعماله، وفق رئيس بلدية إسطنبول المعارض، أكرم إمام أوغلو. لكن كل ذلك لم يقف أمام رغبة الحكومة بالسير في المشروع، الذي من المتوقع أن يبقى محور جدل على مدار سنوات تنفيذه، وأن يتحوّل ورقة في الحملات الانتخابية المقبلة، وخصوصاً الرئاسية والنيابية المقررة في العام 2023.

يقوم المشروع على شق قناة مائية تربط البحر الأسود مع بحر مرمرة في موازاة مضيق البوسفور

وتتواصل منذ سنوات التجاذبات حول مشروع قناة إسطنبول، الذي وصفه أردوغان قبل 10 سنوات بأنه “مشروع العصر”، أو “المشروع الجنوني”، وهو شق قناة مائية تربط البحر الأسود مع بحر مرمرة في موازاة مضيق البوسفور. وتمتد القناة على مسافة 45 كيلومتراً بعرض 275 متراً وبعمق 21 متراً، وسيتم إنشاء مدينة جديدة على طرفي القناة تتسع لـ500 ألف نسمة من سكان إسطنبول، وتبلغ تكلفة إنجازها قرابة 15 مليار دولار بحسب أردوغان، وينتهي إنشاء الجسر خلال 5 سنوات ونصف السنة، فيما ترى المعارضة أنها ستكلف أكثر من 60 مليار دولار.

وتدافع الحكومة عن المشروع وتقول إن عائداته المالية كبيرة، وإنه سيخفف من حجم حركة الملاحة المكثفة في مضيق البوسفور، لافتة إلى أن نحو 200 عالم وخبير شاركوا في إعداد الدراسة البيئية على مدار سنوات. في المقابل، تحتج المعارضة على المشروع معتبرة أنه سيؤدي إلى كوارث بيئية في مدينة إسطنبول، وسيؤثر على المساحة الخضراء والمياه الجوفية.

ولا تتوقف الخلافات عند هذه النقاط فقط، بل إن هذا المشروع من المتوقع أن يصبح ورقة قوية بيد أردوغان وحزب “العدالة والتنمية” الحاكم لتحقيق مزيد من الشعبوية، بعد تراجعه كما أظهرت الانتخابات الأخيرة، خصوصاً في ظل انتقادات لأداء المعارضة في إدارة إسطنبول وأنقرة. لذلك لا يُستبعد أن يتحول المشروع إلى ورقة انتخابية مع اقتراب الانتخابات المقررة في 2023، فيما ستواصل المعارضة مواقفها للطعن به.

وعرف المشروع تجاذباً كبيراً منذ تولي المعارضة حكم بلدية إسطنبول، وأعلن رئيس البلدية إمام أوغلو رفضه إنشاءه، بعدما كانت المعارضة قد تعهدت مرات عدة بالعمل على عرقلة تنفيذ القناة، ما أدى إلى مواجهة مباشرة بين إمام أوغلو وحكومة أردوغان، في حين تعهد كل من زعيم حزب “الشعب الجمهوري” المعارض كمال كلجدار أوغلو، وزعيمة الحزب “الجيد” المعارض ميرال أكشنر، بمعاقبة الشركات الداعمة للمشروع، وعدم دفع أي أموال لها في حال شاركت بالمشروع، عند تولي المعارضة الحكم في الانتخابات المقبلة، بعد الإطاحة بأردوغان، بحسبها.

تعهدت المعارضة بمعاقبة الشركات الداعمة للمشروع، وعدم دفع أي أموال لها في حال فازت بالانتخابات

وقبيل وضع حجر الأساس بيومين، قال إمام أوغلو في مؤتمر صحافي عقده بالقرب من مقر وضع حجر الأساس لأولى الجسور الستة التي سيتم إنشاؤها فوق القناة، إن “مكان وضع حجر الأساس والجسر يقع ضمن إطار طريق الجسر الثالث لمضيق البوسفور، والمنطقة التي سيتم وضع حجر الأساس فيها تقع على محيط بحيرة سازلي ديري، ضمن نطاق شركة مياه إسطنبول التابعة للبلدية”. وأضاف أنه “عند إخراج العاملين وآلياتهم من المنطقة في 13 من شهر (يونيو/حزيران) الحالي، في اليوم التالي أرسلت وحدة عسكرية للمنطقة من أجل حماية ومراقبة المشروع”.

وتتلخّص الأسباب التي تقدّمها المعارضة بشأن رفضها للمشروع، في أنّه سيكون للقناة تأثيرات سلبية على البيئة بالدرجة الأولى، كما تتحدّث عن وجود فساد مالي كبير يتعلّق بالمشروع من خلال شراء الأراضي المخصصة له من جهات داعمة لـ”العدالة والتنمية”، فضلاً عن أنّه سيكلّف خزينة الدولة أموالاً طائلة بسبب تقديم ضمانات حكومية للشركات المنفذة بالحصول على عائدات سنوية من مرور السفن، وهو ما يشابه الضمانات التي قدمت بشأن بقية الجسور والمشاريع التي نفّذت وفق النظام نفسه في البلاد. ودعم الإعلام المعارض هذه المواقف بالذهاب أبعد من ذلك، إذ اعتبر بعضه أنّ القناة لن تفيد تركيا، خصوصاً أنّ الاتفاقيات الدولية لن تمنح أنقرة مزيداً من الامتيازات، فضلاً عن الدعوة لإجراء استفتاء على المشروع من قبل أهالي إسطنبول، والحديث عن المخاطر البيئية والفساد، ومطالبة الحكومة بتوضيح المشروع لأهالي تركيا وإسطنبول قبل تحميل خزينة الدولة تكاليف باهظة.

وعن ذلك، لفت الصحافي يوسف سعيد أوغلو، في حديث لـ”العربي الجديد”، إلى أنه على الرغم من إعلان الحكومة أن 200 خبير وعالم عملوا على المشروع، فإن هناك خبراء آخرين يحذرون من مخاطر عدة للقناة. ومن المخاطر، تقليل المساحات الخضراء في إسطنبول، وتداخل المياه العذبة مع المياه المالحة نتيجة انخفاض مستوى الأرض، فضلاً عن الفروق في المستوى بين البحر الأسود وبحر مرمرة. وأضاف سعيد أوغلو أن “المخاطر الكبرى بيئية، وإسطنبول شهدت تراجعاً في مخزون المياه العذبة العام الماضي، الذي وصل في بداية الشتاء إلى 19  فقط، وهو ما يعني أن المدينة بحاجة لمشاريع تعزز توفير المياه وأمنها، وليس القضاء على بحيرتي سازلي دري، وكوجوك جكمجة، اللتين ستتحولان إلى جزء من القناة، وستخسر إسطنبول بذلك مصادر مائية مهمة”.

مقابل ذلك، اعتبر الإعلام الموالي للسلطة والجهات الداعمة لإنشاء القناة، أنّ المعارضة تشكّل رأس الحربة في المواجهة الغربية الرافضة للمشروع، والذي تتوقّع الحكومة التركية أن يدرّ على خزينة البلاد سنوياً ما يعادل 10 مليارات دولار. وقال وزير المواصلات والاتصالات التركي، عادل قره إسماعيل أوغلو، في حوار تلفزيوني قبل أيام، إن “المشروع سيموّل نفسه بنفسه من دون أن تخرج من الخزينة أي أموال، وسيتم إجراء المناقصة بشكل شفاف وقبول العرض الأنسب”، وأن “العلماء والخبراء سيبدأون بالحديث الصحافي عن المضيق من أجل توضيح النقاط التي تدعي المعارضة حصولها جراء شق القناة”. وشدّد على أن مياه البحر الأسود التي ستتدفق على بحر مرمرة ستساهم بتنظيفه من صمغ البحر المتشكل حديثا ومسببا تلوثا في المنطقة.

المشروع سيزيد من قدرة تركيا على المنافسة الاقتصادية والاستقطاب التجاري، بحسب الحكومة

وتعليقاً على هذا الجدل، قال الباحث في الشأن التركي والعلاقات الدولية، طه عودة أوغلو، لـ”العربي الجديد”، إن إصرار حكومة أردوغان على إنجاز المشروع يعود لأسباب عدة، في مقدمتها أن القناة تعد أحد المشاريع العملاقة التي تواكب رؤية تركيا في عام 2023 التي تهدف من خلالها لاحتلال مركز بين أقوى 10 دول في العالم مع حلول الذكرى السنوية المئوية لتأسيس الجمهورية الحديثة. وأضاف: “لا شك أن هناك الكثير من الفوائد التي ستجنيها الحكومة من إنجاز مشروع القناة على المستوى الاقتصادي، إذ سيدر على البلاد نحو 8 مليارات دولار سنويا تعوضها عن الأموال التي حرمتها اتفاقية مونترو من تحصيلها طيلة السنوات الماضية، كما أن المشروع سيزيد من قدرة تركيا على المنافسة الاقتصادية والاستقطاب التجاري وسيغيّر من وجه النقل البري والبحري في تركيا، ويخفف من الضغط على ‏قناة البوسفور التي تعتبر من أكثر الممرات المائية ازدحاماً وتشهد كثافة ملاحية هي ‏الأعلى على الصعيد العالمي”. وتابع: “في المقابل، من المتوقع أن يؤدي المشروع إلى مواجهة تركية مع بعض دول العالم: فعلى سبيل المثال، هناك قلق روسي من قناة إسطنبول الجديدة، يكمن في أنه قد يساهم في منح أنقرة الفرصة للانسحاب والالتفاف على اتفاقية مونترو، ولو على المدى البعيد وهذا بدوره سيؤثر بشكل كبير على التوازنات الدولية في المرحلة المقبلة”.

من جهته، رأى الكاتب والباحث جاهد طوز، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن “مشروع القناة مطروح منذ أكثر من 200 عام، وهو مشروع هام استراتيجي واقتصادي وسياسي لتقوية يد تركيا أمام العالم وسياساتها الخارجية”، معتبراً أن “تركيا بتنفيذها المشروع لا ترفض أي اتفاقيات بل تحاول تحقيق أهدافها”. وأضاف: “ستعطي القناة تركيا استقلالية جيواستراتيجية وجيوبولتيكية، وسياستها الخارجية ستقوى، وسيكون لها خيار ثانٍ، وورقة ضغط سياسية وعسكرية، ولا أعتقد ان المشروع سيضع تركيا بمواجهة أي دولة لأنها دولة مستقلة وكبيرة ولن تمنع مرور أي سفينة، وربما ستكون هناك بعض التحركات لعدم تنفيذ المشروع لكنها لن تنجح”.