بعد صراع مع "الأبوية"… المرأة تنتزع القضاء!

في شهر أكتوبر/تشرين الأول القادم من عام 2021 ستصعد إحدى الفتيات واثقة الخطى درجات مجلس الدولة وتتسلم مقعدها في منصة القضاء وتتبعها عدة فتيات ليتسلمن مناصبهن أيضاً في مشهد لم يحدث من قبل، مشهد قد يسبب للبعض الذين نعرفهم هناك سكتات قلبية، والبعض الآخر قد يتقلب في قبره.

وهناك تطلّ علينا من أعلى عائشة راتب -أول سفيرة امرأة- بوقارها وعزم نظراتها إلى جانبها روث بادر غينسبورغ -أيقونة القضاء- بابتسامتها المنتصرة وتصفيقها المشجع؛ فقد انتزعت بنات مصر حقهن في اعتلاء منصة القضاء في مجلس الدولة بعد صراعٍ طويلٍ مع مرض المجتمع الأبوي.

لم تكن تلك مشاهد مُتخيلة -أولها على الأقل-؛ مَن يُصدق أنه تحقق أخيراً تعيين المرأة في مجلس الدولة والنيابة العامة بقرارٍ رسمي ويتبقّى فقط تنفيذه المرتقب على أرض الواقع دون أن يكون تنفيذاً صورياً!.

يرفض مجتمعنا ذو النظام البطرياركي وبشكلٍ غريب تعيين المرأة في مناصب قيادية وعلى رأسها القضاء؛ منطقياً لا توجد أسباب حقيقية؛ اللهم إلاّ عدة أسباب واهية يتم ترديدها مراراً حتى صدقها قائلوها.

بدء النضال

“تم رفض الدعوى لعدم وجود سابقة لهذه الحالة؛ وأن ذلك يتعارض مع العادات والتقاليد وثقافة المجتمع والصالح العام”.. هكذا كان رد مجلس الدولة عام 1949 على عائشة راتب خريجة الحقوق الحاصلة على درجة امتياز وأحد الأوائل الخمسة في الجامعة والوحيدة التي اجتازت امتحان عبد الرزاق السنهوري رئيس مجلس الدولة آنذاك من أصل 15 طالباً؛ إلاّ أن المجلس رفض تعيينها فما كان منها إلاّ أن تتقدّم بأول دعوى قضائية بهذا الشأن والتي تم رفضها هي الأخرى!

يجب علينا تفكيك الصور النمطية لدى مجتمعنا عن عجز النساء عن القيام بأي أعمال شاقة وعلى رأسها اعتلاء منصة القضاء طالما كان هذا اختيارها

وبعد 65 عاماً تأتي محاولات أمنية جادالله المعيدة في كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر المستمرة منذ ثماني سنوات وحتى الآن لتعيين دفعتها في مجلس الدولة؛ والتي بدأت نضالها في عام 2014 عندما تقدمت بطلب للعمل كمندوبة مساعدة في مجلس الدولة؛ إلا أن المجلس رفض طلبها والسبب أن “التعيينات ستكون للرجال فقط”؛ مما جعلها ترفع أول دعوى قضائية أمام القضاء الإداري بمجلس الدولة لوقف التمييز ضد النساء ورفض تعيينهن فيه؛ رفض القضاء دعوتها؛ فرفعت دعوى ثانية عام 2016 تختصم مجلس الدولة وتطعن في دستورية بعض نصوص قانونه ولائحته والتي تتعارض مع الالتزام الدستوري بتعيين المرأة في كافة الهيئات القضائية؛  طبقاً للمادة 11 من دستور 2014، ورفض المجلس الدعوى مرة أخرى والسبب أن “اختصامها للمجلس غير دستوري”، فما كان بيديها إلاّ أن تؤسس المبادرة الحقوقية “المنصة حقها” إلى جانب استمرارها في التقاضي للحصول على حقها في التعيين بمجلس الدولة.

الأسباب واهية!

يخبرنا المجتمع كل مرة يرفض فيها تعيين قاضية بسببٍ واهٍ جديد، فالمرأة في نظره لن تستطيع تحمل التزامات ومسئولية الوظيفة وأن بيئة العمل صعبة وضرورة التنقل بين المحافظات والتحقيق في القضايا أمرٌ لن تستطيعه المرأة وسيؤثر عليها، وعدم تهيئة المرافق والاستراحات لها، عندها خرج الرد على اللامنطقية في الرفض أن المرأة تعمل طبيبة في جميع الأقسام وجراحة وفي الطب الشرعي؛ وتعمل في مواقع البناء الهندسية وكذلك تعمل كمراسل صحافي ميداني وحربي وتعمل في منظمات إغاثية في الحروب والكوارث وغيرها من الوظائف ذات البيئة الصعبة؛ وتتفوق وتُحدث تأثيراً؛ أما بشأن عدم وجود مرافق أو استراحات ملائمة فهذا أمرٌ مضحك حقيقةً.. فلتبنوا ما هو ملائم إذاً!

ثم يخرج علينا آخرون ليقولوا أن تعيين القاضيات مخالفٌ للشريعة الإسلامية، فجاءت فتاوى الأزهر عام 2002 و2012 بأنه لا يوجد نص صريح وقاطع من القرآن والسنة يمنع المرأة من تولي منصب القضاء، كما أكد منذ عدة أيام شيخ الأزهر هذه الفتوى عندما صرح بأحقية المرأة أن تكون قاضية لجواز ذلك عند الإمام أبي حنيفة والطبري والظاهري وابن القاسم وفي رواية للإمام مالك.

هذا إلى استشهاد الفتاوى بنماذج نسائية كنّ قاضيات كـ”ثُمل القهرمانية” الملقبة بأم موسى القهرمانية، وكذلك “ليلى بنت عبدالله” الملقبة بالشفاء.

وعندما انتفت الحجة السابقة جاء من يقول عاطفة المرأة تمنعها من أن تكون قاضية أو تؤثر في حكمها وكذلك هرموناتها وحملها وولادتها ودورتها الشهرية يفعلون! فكان رأي الطب أن يخبرنا أن الرجل أيضاً لديه هرمونات متقلبة ومزاجية أيضاً فهل أثر ذلك في أحكامه؟! ثم أنه من الناحية المنطقية فإن أحكام المرأة كقاضية ستأتي بالاطلاع على التحقيقات وسماع الشهود وإعمال مواد الدستور والقانون وتنفيذ الحكم في النهاية، وما يردده البعض من تشكيك في حكمها على الأمور فإن الخطأ وارد حدوثه باختلاف النوع البشري.

يأتي البعض ليخبرنا في فجاجة إذا ما عملت المرأة في القضاء فماذا يشتغل الرجال؟ لترد عليه الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة 2030 بإحصائياتها لهذا العام أن هناك 66 قاضية مقابل 22 ألف قاض وقد تراجعت النسبة من 0.5% عام 2017 إلى 0.3% لهذا العام؛ أي أنه تم تعيين القضاة من الذكور بشكل متزايد عن الطبيعي.

وهناك رأيٌ غريب “بأن أوائل الدفعات تقريباً كلهن من الفتيات المتفوقات”؛ فكيف يتم تعيين الفتيات قاضيات دون الشباب.. وهذا يليق به عبارة “لا تعليق!”.

أسباب كلها واهية تلك التي تمنع المرأة من أن تكون قاضية؛ ولا تدل على شيءٍ سوى أن الذكور يخافون من فكرة اعتلاء المرأة لمنصة القضاء؛ غرورهم لا يتقبل فكرة أن تصدر الأحكام امرأة أو تترأس المحكمة بطبيعة الحال؛ أن تكون ذات سلطة وقوة؛ كيف ذلك وهي مجرد امرأة، ولسان حالهم يقول: أتحكمنا امرأة؟! يمارسون مبدأ الوصاية الأبوية على النساء؛ ويحكمون بأسبابهم غير المنطقية عليهن؛ ويميزون ضدهن ويرفضونهن بشكل انتقائي وينزعون حقهن في الاختيار.

مصر تأخرت في تعيين قاضيات

الغريب في الأمر أن مصر تُعتبر من الدول العربية التي تأخرت كثيراً في تعيين قاضيات؛ فأول دولة قامت بذلك كانت العراق وعينت أول قاضية “زكية حقي” عام 1959، ليلحق به المغرب عام 1961، ثم تبعه لبنان وتونس عام 1966، ثم اليمن عام 1971، لتأتي بعده سورية 1975، تلاها السودان عام 1976، ثم فلسطين عام 1982، وفي عام 1991 انضمت ليبيا للدول العربية التي عينت قاضيات، ثم جاء الأردن بعدها عام 1996.لتعلن الأمم المتحدة في تقريرها عام 2001 أن مصر لديها صفر قاضيات؛ فتم تعيين أول قاضية وهي تهاني الجبالي عام 2003، ثم تلتها البحرين لتكون أول دولة خليجية تعين قاضيات عام 2006، ثم كانت الإمارات عام 2008، ثم جاءت قطر 2010، ثم تبعتها موريتانيا عام 2013، ومؤخراً كانت الكويت آخر الدول التي عينت قاضيات وذلك عام 2020، لتتبقى عمان والصومال والسعودية لم تعين قاضيات حتى الآن.

حقٌ أصيلٌ

تعيين المرأة في القضاء هو حق أصيل وليس منحة طبقاً للمادة 11 من الدستور المصري؛ وما يحدث هو تحجيم المرأة وتصغيرها والتقليل منها والتحايل على تعيينها؛ رغم تساويها مع الرجل بشكلٍ مكافيء؛ ككائن بشري حوائّي آدميّ.

يجب علينا تفكيك الصور النمطية لدى مجتمعنا عن عجز النساء عن القيام بأي أعمال شاقة وعلى رأسها اعتلاء منصة القضاء طالما كان هذا اختيارها؛ والقيام بإبراز دورها ومساهمتها في القضاء المحلي والدولي والإقليمي بدولٍ مختلفة ومشاركتها في تطويره.. وأول الغيث قطرة.