لميعة .. الغريبة

في غربتها البعيدة التي استغرقت سنين كثيرة من عمرها، رحلت الشاعرة العراقية الكبيرة، لميعة عباس عمارة، بعدما تجاوزت التسعين من عمرها الحافل بالشعر والحكايات والضحكات، والدموع أيضاً، وهي المعاني التي كانت وقوداً لشعريتها المتدفقة، والتي لم تنل ما تستحقه من اهتمام نقدي، كما بدا لي، وأكّدته هي في لقاء لي معها قبل عقدين تقريباً. وقد سألتها عن سبب عدم اهتمام النقاد بتجربتها الشعرية ـ على عكس الاهتمام الذي لقيه مجايلوها من الشعراء في العراق – وهل فعلوا ذلك حتى لا يُتهموا بأنّهم يجاملون امرأة جميلة، فقالت، وهي تضحك: “نعم .. لقد تهيّبوا الكتابة عني خوفاً من هذا الاتهام، بل خوفاً من زوجاتهم الغيورات. وبالمناسبة، كتبت قصيدة وجهتها إلى هذا النوع من الزوجات الغيورات، قلت فيها: سيدتي/ مني أنا اطمئني/ فزوجك المصون في أمان!”.

وبعدما استرسلَت في حكاياتها الظريفة في ذلك الإطار، عدنا إلى السؤال، فقالت: “هناك أسبابٌ أخرى، يعود معظمها إلى تواضعي الشديد. وقد وجدتُ أنّ التواضع رذيلةٌ صُنّفت خطأ بين الفضائل. التواضع، كما يقول محمد عبد الوهاب، يقتل الموهبة. والتواضع المصطنع الذي يفتعله بعض الناس لاستدراج مزيد من المديح معروفٌ ومكشوف، لكنّني متواضعةٌ بصدق، وأنا متواضعةٌ لأنّني لا أفتخر بنفسي، ولا ألبّي كلّ الدعوات، وأعيش بعيداً عن الناس في مناطق بعيدة، وأتعمّد عدم الاشتراك في نشاطاتٍ كثيرة، وهذا ما أثّر سلباً فيّ”.

قلت لها مستدرجةً إياها إلى مزيدٍ من الحديث حول هذا الموضوع الذي اكتشفت أنّه ظلّ يؤرّقها طويلاً: “ولكن ألا تريْن أنّ من أسباب ذلك العزوف النقدي الشديد عن شعرك عدم انضوائك تحت لواء أيّ حزبٍ سياسيٍّ من تلك الأحزاب التي كانت آنذاك، تلمع، وتكرس المنتمين إليها من الشعراء وغيرهم؟”. فقالت، وكأنّها اكتشفت الإجابة المثالية الحقيقية عن السؤال: “طبعاً… طبعاً. كان هذا هو الذي يبني شخصيات مثل هؤلاء الشعراء، وإن كانت شخصياتٍ فارغة وكاذبة. لقد عاصرتُ بعض الشعراء، ارتفع قدرهم وعيّنوا في مناصب مهمة، وترجمت أشعارهم وكتب عنها كثير”.

وما أشارت إليه لميعة عباس عمارة، يلخص واحدةً من حالات النقد العربي في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته وثمانينياته، قبل أن يدخل النقاد العرب في علاقتهم مع الشعر والشعراء في حالةٍ جديدةٍ سيطرت عليها قوانين جديدة تناسب المرحلة، عنوانها المهرجانات الكبرى والجوائز المالية القيمة، وغيرها من وسائل السيطرة الرسمية الجديدة على خطوط الشعراء والنقاد على حد سواء في الحياة. وها نحن اليوم نعايش تلك الشخصيات الشعرية التي وصفتها لميعة بالفارغة والكاذبة تعيش مجدّداً كطفيلياتٍ حقيقيةٍ، فتمتهن قيمة الحياة كلها بامتهانها قيمة الشعر والأدب عموماً، لتكون مجرد وسائل إعلانية ودعائية لهذه السلطة أو تلك!

والغريب الجديد أنّ ما أشارت إليه لميعة باعتباره نقيصةً يحاول الشعراء أن يتملّصوا من الانكشاف به، أصبح كثيرون من شعراء هذه الأيام يتباهون ويتغنون به، ولا يمانعون في إدراجه في ملف تفوقهم على من بقي قابضاً على جمر الشعر بقيمه الحقيقية، باعتباره قيمة إنسانية أولى في هذه الحياة.

رحم الله لميعة عباس عمارة، التي ابتعدت عن المشهد كله منذ عقود، لتعيش في منفاها الاختياري غريبةً في المكان والزمان، من دون أن يدفعها وجع الغربة إلى أن تتخلّى عن مبادئ لم تتخلّ عنها يوماً واحداً ولا قصيدة واحدة… ولعلّ شاعرة بحجمها ومكانتها كانت تستحقّ أن تبقى، بكلّ خياراتها الحرّة، في وطنها الذي تحب، من دون أن تضطر لدفع الضريبة من حريتها وصحتها وضحكتها الجميلة.