تنسيق مصري للموازنة بين التقارب مع تركيا وطمأنة اليونان وقبرص

تعمد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي توجيه رسائل طمأنة إلى اليونان خلال استقباله رئيس وزرائها كيرياكوس ميتسوتاكيس، أول من أمس الإثنين في القاهرة، حيث عاد للحديث عن “تضامن مصر مع اليونان ضد أي انتهاك يجري بحقها في البحر المتوسط”، قاصداً بذلك المناوشات التركية مع اليونان وقبرص على المستويات الميدانية والسياسية والقانونية.

وقال السيسي عقب لقائه ميتسوتاكيس، إنه يشجع “تعزيز آلية التعاون الثلاثي القائمة بين مصر وقبرص واليونان لمواصلة التنسيق السياسي والتعاون الفني بين الدول الثلاث، وضرورة العمل على تحقيق الاستفادة القصوى من هذه الآلية تحديداً، بحكم تفرد تلك العلاقة وتلاقي المصالح المشتركة نحو تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة”. وشدد السيسي على “أهمية خروج القوات الأجنبية كافة والمرتزقة من الأراضي الليبية من دون مماطلة، وتفكيك المليشيات المسلحة بما يضمن عودة ليبيا لأبنائها، واستعادتها لسيادتها ووحدة أراضيها واستقرارها”.

وفسرت مصادر دبلوماسية مصرية مطلعة، في أحاديث خاصة لـ”العربي الجديد”، هذه المواقف بأنها في إطار تخطيط وتنسيق داخلي بين مواقف وتصريحات الرئيس المصري ووزير خارجيته سامح شكري تجاه تركيا. فمع اعتراف الجميع في القاهرة بتحقيق تقدم كبير على صعيد التقارب مع أنقرة، يستقر الأمر على ألا تصدر تصريحات إيجابية صريحة من السيسي حول هذا الملف إلا بعد تسوية جميع القضايا العالقة، وبعد اللقاء المرتقب بين وزيري خارجية البلدين؛ سامح شكري ومولود جاووش أوغلو، المتوقع أن يُعقد هذا الصيف، قبل اتفاق البلدين على تبادل السفراء والتمثيل الدبلوماسي الكامل.

النظام المصري لا يرغب في استمرار حالة التخوف اليونانية القبرصية من التقارب مع تركيا

وأوضحت المصادر أنّ النظام المصري لا يرغب في استمرار حالة التخوف اليونانية القبرصية من التقارب مع تركيا، لأسباب عدة، أبرزها أهمية الدور الذي أدته أثينا ونيقوسيا في الدفاع عن المصالح المصرية في المحيط الأوروبي بالتصويت ضد توقيع عقوبات في بعض المناسبات على مصر، والحد من آثار الإشكالات الحقوقية والسياسية التي تثير بين الحين والآخر حساسيات مع القاهرة، فضلاً عن اعتبارهما سبيلاً مهماً للتفاهم مع قوى أوروبية أكبر، تولي اهتماماً للدفاع عن مصالح اليونان وقبرص ضد تركيا، وبالأخص فرنسا.

كما أنّ مصر لا ترغب، وفق المصادر، في أي وقت بعد الآن أن تلقي بثقلها على جانب واحد، خصوصا في المجالات الاقتصادية، لا سيما أنّ التعاون مع اليونان وقبرص في الطاقة سيبقى من الملفات الواعدة بمزيد من التقدم، حتى في حالة انخراط تركيا مع مصر ودولة الاحتلال الإسرائيلي في تنسيق بالمجال ذاته، وسواء انضمت تركيا أو لم تنضم إلى منتدى غاز شرق المتوسط.

والقلق الأكبر الذي يسيطر على اليونان وقبرص حالياً يتعلق بمستقبل الطاقة في المنطقة في ظلّ مؤشرات التعاون المصري التركي في ملف الغاز الطبيعي، والذي لا تمانع فيه إسرائيل، وقد يفضي في النهاية إلى انضمام أنقرة إلى منتدى غاز شرق المتوسط. ويأتي هذا القلق على خلفية التنافس المحتمل بين اليونان وقبرص وستدخل تركيا في مضماره أيضاً، على دور الشريك الذي سيخصص كنقطة انطلاق لوجستية كبرى لنقل الغاز المسال الآتي من وحدتي الإسالة بدمياط وإدكو بمصر، والذي سيكون جزءاً كبيراً منه تابعاً لدولة الاحتلال في إطار الشراكة بين البلدين والتي أعلن عن انطلاقها أخيراً بالربط بين حقل ليفاثان والوحدتين عن طريق خط الأنابيب البحري.

إلا أنّ هناك أسباباً أخرى لتصريحات السيسي المطمئنة لليونان أخيراً، يتمثل أحدها بحسب المصادر، في تجدد الحساسيات مع تركيا بسبب تصريحات ياسين أقطاي مستشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في أعقاب حكم الإعدام الجماعي الذي صدر ضد 12 من قيادات وأعضاء الإخوان المسلمين في قضية اعتصام رابعة الأسبوع الماضي. وأثارت التصريحات حفيظة المخابرات العامة والأمن الوطني تحديداً، لا سيما أنه سبق أن طلبت القاهرة من أنقرة صراحة وقف التصريحات من هذا النوع مع المضي قدماً في المفاوضات “الاستكشافية” بشأن العلاقات بين الطرفين. وذكرت المصادر أن “عودة أقطاي للتدخل في الشأن المصري” تعطي ذريعة لمعارضي التقارب أو المستفيدين من استمرار القطيعة، من داخل النظامين الحاكمين، بالاستمرار في تسويق مواقفهم المتعصبة التي لا تخدم الطرفين. وسبق أن قالت مصادر لـ”العربي الجديد” في مايو/أيار الماضي، إنّ هناك شخصيات في المخابرات العامة والأمن الوطني، وحتى في رئاسة الجمهورية، يشككون في نوايا الأتراك النهائية ويرغبون في عرقلة المباحثات على الصعيدين السياسي والأمني. وهؤلاء تلقفوا، بحسب المصادر الدبلوماسية المصرية، تصريحات أقطاي الأخيرة وحاولوا ترويج مواقفهم من خلالها، على عكس رغبة الإدارة المصرية السياسية، التي ترى أن الوقت مناسب تماماً للتقارب وتجاوز الخلافات منعاً لتكرار استنزاف البلدين استراتيجياً.

تجددت الحساسيات مع تركيا بسبب تصريحات ياسين أقطاي

وكان أقطاي انتقد، في مقال قبل أيام، أحكام الإعدام التي صدرت بحق قياديين وأعضاء بجماعة الإخوان المسلمين، وقال إن “إصدار قرار الإعدام بشكل جماعي بحق مئات الأشخاص لا يمكن أن يصدر كأي قرار عادي عن محكمة شفافة عادلة”. واعتبر أنه “من المؤكد تماماً أن لا علاقة على الإطلاق بين العدالة وبين قرارات الإعدام السياسية، لا سيما وأنها أصبحت ديدناً عقب الانقلاب العسكري، لتصبح نظاماً روتينياً”. وتابع أن “مثل هذه الإعدامات حينما تصدر، فإنما تصدر بدافع إما الانتقام أو تصفية المعارضين السياسيين، وبهذا الشكل تتحول إلى جريمة ضد الإنسانية لا تهم مصر وحدها، بل الإنسانية جمعاء”.

أما السبب الآخر لمواقف السيسي، إلى جانب مسألة تصريحات أقطاي، فيتمثل في تأخر استجابة الأتراك لمطالب مصرية بشأن ليبيا، كبدء جدولة انسحاب العناصر التركية خلال العام الحالي، والالتزام الكامل باتفاق وقف إطلاق النار الموقع في ديسمبر/كانون الأول الماضي، وعدم إدخال أسلحة جديدة إلى الأراضي الليبية، ووقف جلب العناصر الأجنبية (المرتزقة)، والمضي قدماً في إعادة المقاتلين غير الليبيين إلى أراضيهم.

وأوضحت المصادر أنّ تصريحات وزير الدفاع التركي خلوصي أكار المتكررة بشأن اعتبار أن بلاده لا تلعب دور “قوة أجنبية” في ليبيا، نظراً للاتفاقية الأمنية الموقعة مع حكومة الوفاق السابقة، حملت رداً غير مباشر على الشروط المصرية، بعد سابقة انتقاده لعناصر عملية “إيريني” الأوروبية (التي تراقب البحر المتوسط لمنع توريد الأسلحة إلى ليبيا)، مشيراً إلى أنهم يسمحون بتزويد مليشيات اللواء المتقاعد خليفة حفتر بالسلاح.

تأخر استجابة تركيا للشروط المصرية بشأن ليبيا ربما يسهم في إبطاء تحقيق التطبيع التام في العلاقات الثنائية

وبحسب المصادر، فإنّ تأخر استجابة تركيا لهذه الشروط ومحاولة الالتفاف عليها، فضلاً عن ضيقها بالضغوط المصرية الجديدة على طرابلس لمراجعة الأوضاع المستقرة مع أنقرة، ربما يسهم في إبطاء تحقيق التطبيع التام في العلاقات الثنائية، لكنها “لن توقف التواصل المستمر بالفعل بوتيرة متصاعدة على مستويات عدة”.

وسبق أن قالت مصادر دبلوماسية مصرية لـ”العربي الجديد”، مطلع الشهر الحالي، إن السلطات في الإمارات واليونان وقبرص تحاول عرقلة التقارب المصري التركي الحاصل حالياً بخطى أسرع مما كان يتصور المراقبون، خصوصاً بعد بدء إجراء اتصالات على مستوى وزيري الخارجية خلال الأحداث الأخيرة في الأراضي الفلسطينية للتعاون في تهيئة الظروف لإنجاح المبادرة المصرية لوقف إطلاق النار، وكذلك استمرار الاتصالات لحل القضايا محل الخلاف. وذكرت المصادر أنّ اليونان وقبرص تجريان اتصالات بشكل دائم مع الخارجية والمخابرات في مصر، تدرك القاهرة جيداً أنها تأتي بتنسيق مع الإمارات، وتهدف إلى التشكيك في نيات أنقرة، والشكوى من ممارسات تركية مزعومة على الحدود البحرية المشتركة التي نتجت عن الاتفاقيات السابق توقيعها بين مصر وقبرص واليونان. غير أن مصر حسمت موقفها بعدم الانجرار إلى هذه اللعبة، وتواصلت مع كل الأطراف المعنية، كما تحرّت الحقائق بواسطة الأجهزة العسكرية المختصة أكثر من مرة، ليثبت أن الهدوء يسود الموقف الميداني في شرق المتوسط.