عرب وكرد إلى مربع الخوف مجدّداً

أثار تعليق لي على انتخابات بشار الأسد، على صفحتي في “فيسبوك”، غضب أعضاء في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، حاليين أو سابقين، ومريدين له على قلتهم، بالدرجة نفسها التي أزعج التعليق نفسه أقلاماً محسوبة على النظام. وإذا كان من الطبيعي أن يكون الأخيرون يمارسون مهمتهم المطلوبة في الهجوم على أيّ معارض، خاصة إذا كان قد تولى سابقاً مناصب متقدمة في مؤسسات سورية قبل الثورة، ما يسهل على كل من “هبّ ودبّ” معاتبة النظام على اختياره أشخاصاً لم يقدّموا له الولاء الأعمى، فإنّه ليس من المقبول أن تنظر كيانات المعارضة، وحتى أفرادها، إلى أنّ مهمة الإعلامي تبرير أخطاء هذه المعارضة، وتجاوزاتها على حقوق المواطنين، تحت نظرة قومية أو أيديولوجية. ومن ذلك ما حدث لأهالي عفرين، الكرد السوريين، من عمليات تشريد لا يمكن التغاضي عنها. وفي المقابل، وعلى حد سواء، ما حدث لقرى عربية على يد فصائل كردية، إذ لا يمكن قبول فكرة الثأر، في ثورةٍ تنشد الحرية والكرامة وحقوق المواطنة، من فصائل تنتمي لـ”الائتلاف” شكلاً أو مضموناً.

أراد النظام السوري أن يسخر من فكرة الديمقراطية، بتقديم عشرات من المنافسين المغمورين أو المحسوبين على الأفرع الأمنية

توجيه السخرية تجاه ديمقراطية انتخابات الأسد، من المعارضين له، يوحي بأنّ ما تقدّم منها (ثلاث دورات انتخابية) حظي بمقومات العملية الديمقراطية، وهما أمران لم يعمل النظام على تعزيزهما، بل أراد مما حصل أن يسخر من فكرة الديمقراطية، بتقديم عشرات من المنافسين المغمورين أو المحسوبين على الأفرع الأمنية، وهي رسالةٌ ليست فقط إلى الداخل السوري، وإنّما أيضاً إلى المجتمع الدولي الذي أرادت روسيا الداعمة للنظام أن تحافظ، من خلال الانتخابات، على استقرار الملف السوري خارج الضغط الدولي. وما تم تسريبه من مشاهد عن عمليات التزوير في الاقتراع ليس من باب المصادفة، أو تسريبات من معارضين للنظام، بل هي عملية أمنية تكاملية لإعادة تفعيل نظام الرعب داخل نفوس السوريين من جهة، وللإبقاء على الأسد تحت ضغط سحب شرعية انتصاره حين تشاء موسكو فعل ذلك من جهة مقابلة.
وقد غاب عن أصحاب حملة “# لا شرعية لانتخابات الأسد”، ومنهم رئيس الائتلاف الذي كان سابقاً، رئيساً لوفد التفاوض وهيئة التفاوض لقوى الثورة والمعارضة السورية، أنّ النظام يمارس الانتخابات بشرعية دستور 2012 الذي هو واحدٌ من أساسيات مناقشات عمل اللجنة الدستورية المختلطة بين المعارضة والنظام، المشكّلة برعاية الأمم المتحدة، بتاريخ 23 سبتمبر/أيلول 2019. وعلى ذلك، لا يمكن لمن قبل أن يكون تعديل ذلك الدستور واحدا من مهامه “المحتملة” أن يتحدّث عن عدم شرعية تنفيذ ما بين دفتيه، لأن الأوْلى عند ذلك رفض مناقشته، واتخاذ موقفٍ معلن منه.

نقد كيانات المعارضة لا يعني الحطّ من قدر جهود المعارضة الشعبية، في مقارعة النظام السوري، والانتصار للقضايا العادلة، كردية أو عربية

قلت: لن أعلق على “ديمقراطية” انتخابات الأسد في سورية، لأنّنا في المعارضة لم نجرِ انتخابات ديمقراطية في أيّ كيان (الائتلاف أو هيئة التفاوض أو حتى كلّ المنصّات)، ولسنا أقل فساداً من هذه المهزلة التي تجري الآن… وقولي هذا لا يتطلّب مني أن أقيس بالمسطرة مساحة هذه الكيانات الجغرافية، لأنّها لم تطرح نفسها أنّها دولة، لكنّها موجودةٌ بفعل ثورةٍ طالبت بالديمقراطية. وكان حرياً بهذه الكيانات أن تقدم وإن نموذجاً واحداً في انتخاباتها، يعبر عن إرادتها في انتخابات ديمقراطية داخل كياناتها، وينهي حالة الاستفراد بالمناصب لمجموعة “شللية” تمارس تبادل المناصب وتدويرها داخلها، في فعلٍ تصحّ معه المقارنة مع أفعال النظام من دون النظر إلى عدالة حجم المقارنة.
نقد كيانات المعارضة لا يعني الحطّ من قدر جهود المعارضة الشعبية، في مقارعة النظام السوري، والانتصار للقضايا العادلة، كردية أو عربية، أكانت قضايا معيشية للسوريين داخل مساحة النظام، أو تحت حكم فصائل محسوبة على المعارضة أو أشباهها، أو تحت حكم الفصائل الكردية، هو أحد مهام الإعلام الحر البعيد عن الاصطفافات القومية والحزبية، ولا تفتح له المجال إلاّ وسائل إعلام حرّة خارج منظومة التبعيات.
تسليط الضوء على الاحتفال الانتخابي الذي رعاه الأسد في عقر دار المعارضة (دوما) التي شرّد أهلها، في مجاراةٍ لما قامت به المعارضة سابقاً في احتفالها في عفرين، حيث المدينة تئنّ بما نالها من تشريدٍ لعائلاتها من الكرد على يد فصائل عربية، لا يعني إنكار تجاوزات حدثت على يد فصائل كردية، مع ملاحظة أن هذه الفصائل لا تقدم نفسها إلى العالم أنّها تمثل ملايين السوريين المعارضين، كحال الائتلاف الذي يُفترض به أنّه يمثلهم عرباً وكرداً وتركماناً وآشوريين وشركس وغيرهم.

يعاني أفراد في المعارضة وبعض كياناتها من أمراض النظام في نظرتهم إلى دور الكتّاب والإعلاميين

وتذكير العالم بما قام به النظام من اعتقالاتٍ لمئات آلاف السوريين، لا يعني أنّ ذلك يجب أن يكون على حساب تغييب أنّ فصيلاً محسوباً على المعارضة قام باعتقال سوريين كثيرين وتغييبهم، ربما لا يمكن تجاهل أسماء رزان زيتونة وسميرة خليل ووائل حمادة وناظم حمادي، وغيرهم، فتلك جريمة، وهذه جريمة تساويها، بل، تزيد عليها بشاعةً، لأنّ الفصيل المعارض استمدّ شرعية وجوده من الثورة التي عملت رزان ورفاقها من أجلها ولحمايتها.
يعاني أفراد في المعارضة وبعض كياناتها من أمراض النظام في نظرتهم إلى دور الكتّاب والإعلاميين، ويضعونهم على ضفة العداء نفسها مع النظام، بل أحياناً يتحالفون معه ضدهم، ما يضعنا أمام خياراتٍ ضيقةٍ ومحدودة للعمل في مواجهة جبهتين متناقضتين، ومتحالفتين ضد حرية الرأي والتعبير، ما يجعل من شعارات الثورة مجرّد حبر على ورق، في أجندات هذه الكيانات ومن يساوقها في الرأي، فحيث تغيب الحريات يغيب الوطن الذي تسعى إليه الثورة، ويصبح النظام الذي تعيد تعويمه روسيا أكثر اقتراباً من حلمه بإعادتنا جميعاً، عرباً وكرداً، وآخرين، إلى مربع الخوف، في مزرعة اسمها “سورية الأسد”.