"الغابة الأخيرة": مبحث أنثروبولوجي وثائقي

 

يستهدي السينمائي البرازيلي لويس بولونيزي (1966)، في طريقه إلى موطن قبائل يانومامي، وسط أعماق الغابات المطيرة، بخرائط معارف رسمها قبله المفكر الفرنسي ليفي شتراوس (1908 ـ 2009)، لم تُميّز خطوطها بين مكامن حضارة السكّان الأصليين في الأمازون، وبقية غيرها من الحضارات. لم يجد الأنثروبولوجي التنويري اختلافاً جوهرياً ونوعياً بين “البدائيين” و”المتحضّرين”. بالنسبة إليه، كلّ الثقافات، بغض النظر عن منبعها، تشتغل وفقاً لنظام مؤسّس على قواعد منطقية، وأساطير كلّ مُجتمع وحكاياته نشأت وتشكّلت طبقاً لعقلانية قابلة للفهم.

على ضوء مصابيح تلك الرؤى، يمضي “الغابة الأخيرة” (2021) ـ المعروض في “بانوراما” الدورة الـ71 لـ”مهرجان برلين السينمائي”، المُقامة افتراضياً بين الأول والخامس من مارس/ آذار 2021 ـ مُتوغّلاً في أعماق مناطق محصورة بين شمال البرازيل وجنوب فنزويلا، مدفوعاً بهاجس فكرة إعادة “فلمنة” أساطيرهم وحكاياتهم، وتوثيق وجودهم المُهدّد بالزوال. التهديد يأتيهم من أحفاد أولئك البيض، الذين جاؤوا إليهم قبل قرون من خلف نهر “أناناريو”، جالبين معهم أمراضاً وأوبئة، والذين يتسرّبون اليوم سرّاً إلى غاباتهم، بحثاً عن الذَهب. يُسمِّمون مياههم بالزئبق، وينقلون إليهم عدوى كورونا، يحمله إليهم ـ كما تقول الأسطورة ـ “دخان المرض”، الرجل الشرير الذي خيّب رجاء أخيه الطيب “إله الماء”. يُعيد القادِمُ من خلف النهر إنتاجَ ثقافته ووسائل هيمنته الاستعمارية، مدفوعاً بطمعه وشهوته للسيطرة، موهوماً بالتفوّق.

اليانوماميون يخافون على غاباتهم، ويخشون موتها، وموت حضارتهم معها؛ والسينمائي يريد النظر إلى وجودها الثري بعدساتهم. يجد بولونيزي في الشامان دافي كوبيناوا (كتب معه السيناريو) ما ينقصه. راوي أساطير وحكيم، وحفيد آخر سلالات “أوماما”. ابن الغابة، المُتطامن وجوده وعيشه معها، يحكي الشامان لأهله قصصاً، تُجذِّر معانيها وجودهم، وتراكم تفاصيلها طبقات معارفهم. من تلك البيئة، تظهر الأسطورة، ويعيد السكان أمام الكاميرات أفلمتها. يجعلون من أنفسهم “ممثلين”، ومن نصّ “الغابة الأخيرة” وثائقياً معرفياً يزدان برداء الروائي.

بذخ التصوير (بيدرو جي. ماركيز) يُزيد حلاوته، ويُحيله إلى مُنجزٍ فيه جمالٌ كثير. موسيقاه التصويرية الرائعة (تاليتا ديل كولادو) تتداخل، طيلة مدّته، مع الأصوات المقبلة من أعماق الغابة. باشتغالٍ مُتماسك وكتابة فطنة، يعيد الوثائقي إحياء قصّة صراع الأخوين أوماما ويواسي على “حورية البحيرة” الوحيدة، مُسنداً إليها أسطورة نشأة الخليقة في الغابة، والصراع الأزلي بين الخير والشر. اللافت في أساطيرهم وحكاياتهم، سلميّتها. قلّما تجد مكاناً للعنف فيها. التسامح والبراءة تزيدان من التعاطف معهم، والحزن أكثر على ما يتعرّضون له من ظلمٍ وجور. حبكات أساطيرهم تقارب أساطير شعوب وديانات أخرى. قصّة هابيل وقابيل، نجد مقاربة لها في أسطورة الأخوين أوماما ويواسي، وقصّة الوجود والخلق، الواردة في ثقافات مختلفة، تجد شبيهاً لها في أسطورة ظهور توروماري، الزعيم الروحي الأول لـ”قبائل أوماما”.

الغِيرةَ ونزعة الامتلاك تحييها قصة رجل من أهل القرية، ترك عائلته وذهب إلى الصيد في أعماق الغابة، لكنّه لم يعد. رؤية الزوجة في منامها أنّ حورية البحيرة تأخذه معها في أعماق مياهها، يعطي تصوير باطنه الأسطوري والخرافي للمشهد السينمائي بُعداً روائياً، يتكامل مع بقية مَشاهد (واقعية) من الحياة اليومية. أبطاله لا يمثّلون، بل يؤدّون أدوراهم خارج النص المكتوب، كما اعتادوا تمثيل مقاطع من أحداثٍ يعيشونها في الواقع، ويقدّمونها في جلسات سمرهم وسهرهم.

 

 

عملية “التشخيص” العجيبة، المشتركة بين شعوب أميركا اللاتينية، تحتاج إلى بحثٍ منفصل، لا وقت في الوثائقي له. ما يهمه أكثر تصوير المشهد الحياتي، المعقّد بأبعاده الفلسفية وتراكماته المعرفية. يُدرك أنْ من يكتب بحثاً أو دراسة سينمائية أنثروبولوجية، عليه تشذيب الإكزوتيكي منها.

هذا الميل يقوده إلى تأمّل بيئتهم الحاضنة بواقعية، يتداخل المخيال اللاتيني معها. يراقب بإمعان نبض الحياة الطبيعية فيها، وملاحظة عمليات تناقل المعارف بين الأجيال المقيمة فيها. يتطلّب هذا تصويراً مُقرّباً لحيوات وأنساق عيش (حيوانات غابة، أسماك وتماسيح مياه حلوة، أساليب صيد ذكية، تحذير الكبار لصغارهم من مخاطر ثعابين الماء، وتفاصيل حياة يومية في كوخ كبير).

كلّ تفصيل، تتأمّله عدسة الكاميرا، يُغني المتن ويُحيِله إلى نصّ معرفي، يُعاكس أحكاماً جاهزة، تتجاهل مَعارف عالم واسع، يستمدّ ثقافته من بيئته، ومن تناقل خبرات أجيال إلى أخرى تتبعها. النظرة المتعالية المستبيحة إلى ثراء حياتهم، تدفع الشامان للذهاب إلى مواطن البيض لتحذيرهم من سلوكهم وجهلهم: “هؤلاء البيض لا يعرفوننا. عيونهم لا ترانا. آذانهم لا تعرف لغتنا. لهذا، عليّ أنْ أذهب إليهم أينما وجدوا”. في داخله، يشعر أنّ هناك انفكاكاً يحدث، واختراقاً للأبيض يصعب صدّه. يظهر بينهم من يريد العمل مع البيض. تغويهم حياة المدينة وعصريّتها. شحّ مصادر الغابة، بعد اقتلاع أشجارها وتسميم مياهها، تفتح مجازات بينهم وبين المدينة. نساء القرية، في زمن شحّ الموارد، يصنعن سلالاً من خوص الأشجار، يُحبّها سكّان المدن.

مسالك رفيعة تخيف الشامان، وتقلق مُستقرّه.ربما لم تعد حكمته “لا ينام اليانومامي مرتاحاّ… إلاّ في غابته” كافية. حتى رقصات استحضار أرواح الأجداد ربما لم تعد تُجدي نفعاً في طرد شرور “دخان المرض”. لن يتوقّف الطامع بالذهب عن بحثه الجنوني. ربما يأتي إلى الغابة مُتستّراً بهيئة جاغوار أو قرد لعوب. يأتي جالباً معه خراباً وأوبئة. لكنّ سكّان الغابات المطيرة لن يقبلوا بوجوده، ولن يتورّعوا عن طرده، بالأساطير والحكايات القديمة. هذه أسلحتهم وذخيرتهم المتبقية.