تونس: عودة الحديث عن انتخابات مبكرة في حال استمرار الأزمة

شهدت الساحة التونسية، خلال اليوم الماضيين، تحولات سريعة بخصوص مواقف الشخصيات والمنظمات والأحزاب، وصلت إلى حد التناقض والتضارب داخل المؤسسة الواحدة، وسط تصعيد خطير من جميع الأطراف المتصارعة يمكن أن يدفع إلى الحوار اضطراراً وخوفاً من المجهول، أو يعمق الأزمة ويذهب بها إلى احتمالات صعبة.

وأمام تعطل الحوار الوطني بسبب الشروط الجديدة التي أعلن عنها الرئيس قيس سعيد، والمتعلقة بضرورة إدراج تغيير النظام السياسي والنظام الانتخابي في الحوار، وانتقاده الشديد لحوار 2013 الذي أشرف عليه الرباعي الراعي للحوار الفائز بجائزة نوبل للسلام (اتحاد الشغل ومنظمة رجال الأعمال ورابطة حقوق الإنسان وهيئة المحامين)، ووصفه بأنه “لم يكن حواراً وطنياً”.

وقبيل انطلاق مؤتمر نقابي، صباح أمس الخميس، أعلن الأمين العام المساعد للاتحاد العام التونسي للشغل كمال سعد، قرار المنظمة النقابية سحب مبادرتها للحوار الوطني مع رئاسة الجمهورية، وعدم التعامل مع رئيس الدولة، قائلًا، في تصريحات للصحافيين، إن رئيس الجمهورية “يُدلي بتصريحات ومن ثم يتراجع عنها”.

 

ولكن هذا الموقف تغيّر مساء بعد انتهاء المؤتمر النقابي، حيث نفى الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي سحب مبادرة الحوار الوطني من رئيس الجمهورية، داعياً إياه إلى المضي فيها، ومشيراً إلى ضرورة إجراء انتخابات مبكرة في حال تواصلت الأزمة.

وأكد الطبوبي، في تصريح لوكالة “فرانس برس”، أن هذا القرار هو قرار الهيئة الإدارية الوطنية وموقفها الرسمي، مقرّاً بوجود اختلاف في الآراء داخل الهيئة الإدارية التي حسمت قرارها النهائي بالآلية الديمقراطية.

وتعني إشارة الطبوبي إلى الحسم بالآلية الديمقراطية أنه جرى تصويت حول هذا الموضوع، وأن هناك خلافاً داخل المنظمة بخصوصه، وهو ليس جديداً، حيث كشفت جهات نقابية تأرجح مواقف النقابيين طيلة الأشهر الماضية بين داعٍ للمضي في الحوار دون الرئاسة، وآخرين متمسكين بمشاركتها، حيث يعتبر البعض أن الرئيس سعيد “تلاعب بالمنظمة النقابية وضرب مصداقيتها، بموافقته أحياناً على المبادرة، وتراجعه أحياناً أخرى”.

وكان الطبوبي قد انتقد بشدة موقف الرئيس بخصوص الحوار السابق، قائلاً إن “المنظمات الوطنية وطنية غصباً عن كل إنسان، وأن الحوار الوطني قادته قامات كبرى (…) لا ننتظر شهادة من رئيس الجمهورية أو غيره، ومن يحترمنا فإننا نحترمه، ومن لا يحترمنا لا نحترمه مهما كان موقعه”.

واعتبر البيان الختامي للاتحاد، مساء أمس  الخميس، أن ما عبّر عنه الرئيس هو “تشكيك متواصل في المؤسّسات والمنظمات الوطنية والأحزاب السياسية، وتراجع عن التزامه بمبادرة الحوار الوطني التي اقترحها الاتحاد العام التونسي للشغل من أجل إنقاذ تونس من الوضع الصعب الذي دفعت إليه الأطراف الحاكمة، وأصبح يهدّد كيان الدولة”، بحسب تعبيره.

وتعكس هذه التطورات المتسارعة داخل المنظمة النقابية هشاشة التوازنات السياسية التونسية، إذ وضعت النقابة جزءاً كبيراً من مصداقيتها في رئاسة البلاد، واستثمرت في هذه العلاقة بين الطبوبي وسعيد، و”حركة الشعب” بالخصوص، وبعض مكونات المعارضة، لخلق توازن مع “حركة النهضة” وحلفائها (“قلب تونس” و”ائتلاف الكرامة”).

 

ويعني القطع مع الرئيس سعيد العزم على إدارة بناء توازنات جديدة لا تحبذها المنظمة النقابية، ومن هذا المنطق جاء منح الرئيس فرصة أخيرة (تكررت الفرص الأخيرة خلال الأشهر الماضية) لقبول مبادرتها وإخراج البلاد من الأزمة. 

من جهة أخرى، لا يحتمل الرئيس سعيد خسارة دعم المنظمة النقابية، لأن حواراً وطنياً دون مشاركته يعني عزله نهائياً، ولذلك سارع، مساء أمس الخميس، في اختتام زيارته إلى إيطاليا، إلى التأكيد على انفتاحه على الحوار، نافياً ما تم تداوله من أخبار زائفة حول توصيف بعض الأطراف التونسية باللاوطنية. 

بدورها، جددت “حركة النهضة” دعوتها للحوار الوطني كمخرج للبلاد من الأزمة السياسية والاقتصادية التي تمر بها، مثمنة جهود الاتحاد العام التونسي للشغل المتكررة في هذا الإطار.

وأكدت الحركة، في بيان لها مساء أمس الخميس، أنّ أولويات الشعب التونسي هي “مجتمعية اقتصادية، مثل مقاومة الجائحة والتصدّي لها ولآثارها الخطيرة”، داعية إلى “التركيز على مشاغل المواطنين الحقيقية واتخاذ الإجراءات الضرورية لإنقاذ الوضع الاقتصادي والمالي الحرج”، وهو ما يعني أنها ترفض ترتيب الأولويات التي يريدها سعيد، والمتعلقة بتغيير النظام السياسي.

ولكن هذا البيان “المتوازن” رسمياً يقابله غضب نهضوي داخلي، بعد هجوم الطبوبي على الغنوشي أمس الخميس، حيث اعتبر أنه “جزء من البلية”.

وأورد مستشار الغنوشي الخاص سامي الطريقي، على صفحته عبر فيسبوك، أن “الحور ولد ميتاً”، داعياً النهضة إلى عدم المشاركة فيه، وتحمل المشيشي مسؤوليته بأخذ زمام الأمور، مضيفًا” “لا أرى سبباً واحداً يجعلنا نتحمل وزر الحكومة، وطالما أن الغنوشي سبب البلية فابحثوا لكم عن محاورين غيره”، مؤكداً أن “النهضة لا تدخل في التوازنات الداخلية”، ومعبراً عن رفضه لهذه الطريقة في الخطاب.

وأوضح الطريقي، في تصريح لـ”العربي الجديد”، أنه ضد الدخول في الحوار، لأن الطبوبي بما قاله “لم يعد طرفاً محايداً”، مشيراً إلى أن “الحركة تضيع في الوقت على البلاد وعلى نفسها”، ومشدداً على “ضرورة ذهاب الحكومة نحو حوار سياسي عميق”.

من جهة أخرى، تؤكد قيادات في النهضة أنها “لا تخشى الذهاب إلى انتخابات مبكرة في حال استفحال الأزمة”.

وأكد الناطق الرسمي باسم حركة النهضة، فتحي العيادي، اليوم الجمعة، أن “الحركة تتفق مع اتحاد الشغل في ضرورة المرور إلى انتخابات رئاسية وتشريعية سابقة لأوانها إذا لم يتم تجاوز الأزمة السياسية المؤسساتية الراهنة”.

وقال العيادي، في تصريحات لإذاعة “موزاييك” الخاصة: “فيما يتعلق بالأزمة السياسية والحلول والمخرجات، لا شك أنها ستكون موضوع حوار، وإذا تعطل هذا الحوار فالحركة تطرح أيضاً مسألة المرور إلى انتخابات تشريعية ورئاسية سابقة لأوانها كأحد الحلول، وإذا تحقق هذا السيناريو فهو يحتاج أيضاً إلى تهيئة وشروط، منها تعديل القانون الانتخابي وإرساء المحكمة الدستورية”.

ويتساءل مراقبون عن آلية هذه الانتخابات، و”هل ستكون بنفس القانون الانتخابي الذي أبرز هذا الشتات البرلماني؟ كما هل ستكون هذه الانتخابات تشريعية ورئاسية، أم تشريعية فقط؟ّ”، و”من سيقبل من الكتل والأحزاب التي تآكلت شعبيتها بسبب الأزمة أن يدخل في مغامرة قد تقصيه؟” و”هل يقبل الرئيس سعيد بإعادة الانتخابات؟”.