الحمّى التي ذهبت

من أقوال الكاتب الراحل، أحمد خالد توفيق: “أكره المريض والصديق الذي لا يخبرك إلا بالأخبار السيئة.. يقول لك إن الحمّى قد عادت. إذن، فكانت قد ذهبتْ! لماذا لم تقل لي؟”. والمعنى أنك لماذا تملأ الدنيا صراخاً حين تمرض أو تتألم أو تحل بك مصيبة، في حين أنت تصمت وتكتم الخير والصحة والرزق، وتغرق في ذلك كله منزوياً، ومن دون أن يعرف أحد عن النعم الكثيرة التي ترفل فيها. هل أنت تفعل ذلك لأنك تعتقد، ولشدة غبائك بالطبع، أن على الآخرين أن يتحمّلوا معك، ولو معنوياً، آلامك. أما فرحك، فهو ملك لك وحدك. ولذلك فأنت من طائفة الناس التي لا تعرف أن تشكر أو تحمد، والتي تكثر من الشكوى دائماً وربما من الناظرين إلى الجزء الفارغ من الكوب، وربما أيضاً أحببت إقناع من حولك بأن كوبك فارغٌ من الأساس.

بعد توقف العدوان أخيراً على غزة، انهالت عليّ الأسئلة للاطمئنان، من الأصدقاء والصديقات في العالم الافتراضي، والجميع يسأل: كيف حالكم؟ والرد الذي أردّه: الحمد لله نحن بخير. هذا الرد ليس بحروفٍ واهية، ولا بصوتٍ خفيض، بل بكل قوة، بكل ما أوتيت من أمل، بكل ما أملك من رغبةٍ في الاستمرار والمضي في هذه الحياة، بأن الحمى قد ذهبت. نعم، راودتني مشاعر كثيرة، مثل مشاعر الفتية الذين ناموا في الكهف ثلاثمائة عام، ثم استيقظوا ظانّين أنهم قد لبثوا يوماً أو بعض يوم. والحقيقة، لو أن هناك ميتاً قد مات، ثم عاد إلى الحياة فنفض التراب عن ملابسه، وتلفت حوله حائراً، فماذا عساه أن يفعل أو أين يتجه؟ لكنت أنا هذا الشخص. هذه مشاعر داخلية لم أشأ أن أخبر بها إلا قلة، ولكن للجميع، كان عليّ أن أقول له، بأملي وتفاؤلي، إن الحمّى قد ذهبت.

قال لي صديق إن غزّة اليوم قد أصبحت منجماً للقصص والحكايات الموجعة بعد العدوان أخيراً، ما بين آلام الفقد للأحبة والبيوت ومصدر الرزق. وأستطيع أن ألتقط صوراً كثيرة، لتصبح قصصاً وحكايات مكتوبة، مثلما كنت أفعل كل مرة، حيث إن هذا العدوان الرابع الذي يمرّ بي وبعائلتي. ولكنني وجدت نفسي أتوقف عن ذلك أو أتساءل، عن جدوى الاستمرار في الحكاية والرواية المُحزنة التي لن تجلب لي، ولمن حولي، سوى مزيد من الألم والحزن.

قرّرت أن أكتب عن الحياة الجديدة التي وضعت في جسد جديد، ربما عن حياة مولودٍ صرخ صرخته الأولى في الحياة، ظانّاً أن كثيراً من البهجة ينتظره، فقرّر أن يرحّب ببهجةٍ منتظرةٍ بصرخة الحياة، وربما مثل روحٍ زرعت داخل جسد شاب، وقد انتزعت من حطام جسدٍ فانٍ لعجوز. وأحسب أن هذه الفكرة لطالما تناولتها قصص وأفلام الخيال العلمي، وقد أطلق أحد الكتّاب الشباب على فكرة تدور بشأن هذا الحلم اسم “حياة جديدة”، لكن الحياة الجديدة لم تكن كما توقع الشيخ الفاني، لأن روحه قد وضعت داخل جسد قاتلٍ مأجور.

مهما كانت الحياة الجديدة، فقد برع فنانان شابان فلسطينيان في زرعها في أجساد موشكة على الموت لمليوني إنسان في غزّة، بعد أن خرجا بأغنية جديدة اسمها “يلا ع غزة”. وأنت تحفظ بؤس غزّة شارعاً شارعاً، وتحفظ برّها وبحرها. ولكن تلك الحماسة والكلمات اللطيفة قد جعلتك ترى غزّة جديدة، لأنها وصفت ملامح كل منطقةٍ بدقة، ولفتت انتباهك إلى معالم جمالٍ غلفها الفقر، وأطبق عليها الحصار. ولكنك اليوم ترى غزّة الجديدة الجميلة، وتغني مع الشابين لمناطق دكّتها آلة العدوان، ولكنها ما زالت قوية، وتحفظ بأسمائها وتاريخها. خذ مثلاً حيّ الشجاعية وبلداتٍ مثل بيت حانون. وهكذا أنت مثل الرجل الذي عزم على طلاق زوجته، وأخبر صديقه بذلك، ولكن صديقه حين عدّد له محاسن تلك الزوجة، اكتشف جمال زوجته، وتراجع عن قرار طلاق امرأةٍ لم يكن يعرفها.