أجوبة حول الأطباق الطائرة: زوار كوكب الأرض؟

منذ نهاية عام 2020، أصبح تعامل الولايات المتحدة الأميركية مع ظاهرة “الأطباق الطائرة” (ufo)، في الإطار الرسمي. وناقض ذلك التكتمَ ونسج القصص اللذين سادا طوال عقود، في ظلّ رفض السلطات التعليق على أحاديث أدلى بها مئات من الأشخاص عن رؤيتهم أطباقاً طائرة تحلّق في سماء مدنهم.

وتعمل إدارة الرئيس جو بايدن، على تشريع يقضي بتوفير أجوبة واضحة على الأسئلة المتعلقة بظاهرة الأجسام الطائرة غير المعروفة، وذلك استجابة لمطالب أعضاء في لجان الأمن والدفاع بالكونغرس، وأيّده مسؤولو أجهزة الاستخبارات التابعة لوزارة الدفاع. العام الماضي، عمل جهاز الاستخبارات العسكرية الأميركية، بتوجيه من الإدارة، على تحليل الأجسام الطائرة، وسيُقدم تقريراً إلى الكونغرس عن عمله خلال الشهر الجاري. علماً أنّ خبراء أميركيين دققوا خلال السنوات الأخيرة في نحو 120 حادثة وقعت خلال السنوات العشرين الأخيرة.

وكانت صحيفة “نيويورك تايمز” نقلت، قبل أيام، عن مسؤولين في الحكومة الأميركية اطلعوا على مضمون التقرير المقرر صدوره في نهاية الشهر الحالي، قولهم إنّه ما زال يصعب تفسير معظم الظواهر التي رآها الطيارون العسكريون الأميركيون في السنوات الأخيرة.

وسبق لإدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب اتخاذ قرار بالشروع في البحث عن أجوبة لهذه الظاهرة، بعدما توسعت المشاهدات العينية للأطباق الطائرة، التي بدأت في إطلاق العنان للخيال البشري عام 1942 تحديداً، عبر لقطات سجلتها أولاً عدسات كاميرات بالأبيض والأسود، ثم رصدتها أيضاً عدسات أخرى أكثر تطوراً. لكنّ آلاف الصور والأفلام الملتقطة ظلّت على مرّ الزمن بتقنيات منخفضة الجودة وتصاحبها اهتزازات، ما دفع المشككين في وجود الأطباق الطائرة إلى وصفها بأنّها “مجرد تهيؤات لانعكاسات ضوئية وظواهر طبيعية في الأجواء”.

لسنوات، تجاوزت شهادات الأميركيين مجرد مشاهدتهم هذه الأطباق، وأطلقت العنان لمخيلتهم في الحديث عن مخلوقات غريبة، وخطفها أشخاصاً تُجري تجارب على بعضهم. ووصف بعض الأميركيين المخلوقات بأنّها “ذات رؤوس طويلة وأصابع نحيلة تملك أدوات فحص أكثر تقدماً من اختراعات البشر”. وشكّل ذلك مادة دسمة لتصوير أفلام ومسلسلات كثيرة نقلت الروايات الشعبية عن الظاهرة، والتي لم تقتصر على الولايات المتحدة الأميركية، بل وصلت إلى الاتحاد السوفييتي، بحسب ما يدّعي مطلعون على وثائق سرية لجهاز الاستخبارات “كي جي بي” السابق، كما شملت البرازيل وإيران ودولاً أوروبية عدة، خصوصاً بريطانيا، وتحديداً في مطلع الثمانينيات من القرن العشرين، فوق قاعدة عسكرية أميركية يُعتقد بأنّها احتوت أسلحة نووية، وأيضاً في أوج الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، والاستنفار الغربي بعد الغزو السوفييتي لأفغانستان.

يذكر أنّه منذ عام 1957 جمعت في الدول الاسكندينافية 15 ألف شهادة عن الأطباق الطائرة والمخلوقات الفضائية، بينها لرجال وأطفال في السويد. كما أصدرت وزارة الدفاع الدنماركية في عام 2009، تقريراً عن ظواهر لم تحدد ماهيتها، لكنّها قالت إنّ “الأرض لا تستقبل زواراً من الخارج”. واللافت أنّ قصص وجود مخلوقات فضائية، لا تتوقف عند تسجيل مؤيديها للظواهر في العصور الحديثة، بل تعود إلى آلاف السنين عبر ربطها بحضارات قديمة، يُروى أنّها حصلت على مساعدة خارجية، وبينها حضارة المايا في أميركا الجنوبية، وحضارات ما بين النهرين، التي صوّرت كائنات فضائية ومركباتها على رسوم على الجدران، ورسومات ضخمة على الأرض لا تُرى إلاّ من السماء. واعتاد الأميركيون، أصحاب الروايات السردية الأكبر عن الظاهرة، الخلط بين وجود “المنطقة 51” الصحراوية التي يستخدمها الجيش الأميركي في تجارب عتاده الحربي، وظواهر الأطباق الطائرة. لكنّ كلّ الشهادات السابقة لم تكن تؤخذ جدياً من قبل الدوائر الرسمية، رغم تصوير لقطات لظواهر غريبة فوق العاصمة واشنطن مطلع الخمسينيات، وفوق منشآت عسكرية حساسة، وقرب حاملات للطائرات وبوارج حربية أجرت مناورات في المحيط الهادئ، قبالة سواحل المكسيك.

في الأعوام الأخيرة، سُربت مقاطع صوّرتها طائرات حربية لأجسام لم ترصدها الرادارات. وأظهر بعضها أشكالاً معينة غالبيتها دائرية تثير في حركتها وسرعتها طيارين متمرسين، وأيضاً علماء فيزياء أبدوا ذهولهم ودهشتهم للمناورات التي تنفذها الأطباق، سواء على صعيد السرعة الفائقة في الاختفاء جواً أو في المحيط، ما دفع البعض إلى القول إنّها “أطباق لا تعرف حركتها الجاذبية”.

تفسيرات غامضة لأوباما

بالنسبة إلى الأجهزة الأميركية الرسمية، لا تتعلق متابعة الظاهرة وفحصها وتقديم أجوبة عليها، بإشباع رغبات الجمهور. فهي ترى، ربما استناداً إلى تقارير موجودة منذ أكثر من 70 سنة في أدراج سرية، أنّ الأمر يتعلق بالأمن القومي للبلاد. وما منح ظاهرة الأطباق الطائرة بعض الجدية، تلميح الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، خلال مقابلة تلفزيونية في ديسمبر/كانون الأول الماضي، بعد تسريب تسجيل لمشاهد غامضة في الجو صورتها طائرات حربية أميركية، إلى معرفة واشنطن بما يحصل، وبأنّ الأطباق ليست تخيلات وتهيؤات لمصوريها ومشاهديها، وبينهم لنيويوركيين فوق مدينتهم في وضح النهار قبل عامين. وقال أوباما: “آسف لا يمكنني التصريح عن ذلك”. فردّ الصحافي ستيفن كولبرت: “هذا جواب بنعم، فلو لم يكن ثمة شيء لقلتَ لا يوجد شيء”. وأعقب ذلك تحدّث أوباما في مقابلات أخرى عن اطلاعه، خلال فترة رئاسته بين عامي 2009 و2016، على تقارير سرية عن أطباق طائرة “لم نستطع تفسيرها”.

في أميركا، اعتبرت “المنطقة 51” بمثابة “مختبر تعاون بين المخلوقات الفضائية والبرامج العسكرية الأميركية”

تساؤلات بعد استبعاد المؤامرة

طوال سنوات وعقود، أطلق أولئك الذين يصدقون نظرية وجود أطباق طائرة ومخلوقات غريبة عن الأرض، العنان لنظرية المؤامرة. ففي أميركا، اعتبرت “المنطقة 51” بمثابة “مختبر تعاون بين المخلوقات الفضائية والبرامج العسكرية الأميركية”، فيما خشي آخرون أن تشير الأطباق إلى “تقدم تقني روسي أو صيني”. لكنّ تسجيل الروس أنفسهم ظواهر غريبة نسف هذه النظرية. عموماً، يبدو أنّ هالة الثقافة الشعبية المحيطة بوجود مخلوقات أخرى، أدت إلى ظهور ما يسمى “علم الأطباق الطائرة” على وسائل التواصل الاجتماعي خلال فترة جائحة كورونا. علماً أنّ برنامج “60 دقيقة” الشهير على محطة “سي بي إس” نشر ثلاثة مقاطع فيديو لأجسام طائرة صورها طيارون حربيون قبالة سواحل فلوريدا.

ويثير بعض علماء الاجتماع تساؤلات حول احتمال تأثير وجود كائنات أخرى على معتقدات البشر وإيمانهم والأديان، فيما يحذّر مؤيدو وجود كائنات أخرى من التعامل مع “الزوار” بعدوانية، في وقت يراهنون على أنّ “هذه المخلوقات تحاول مساعدة البشر على الخروج من تحديات تستهدف مستقبل وجودهم”. أما آخرون فيزعمون أنّ “الكائنات الغريبة تبحث عن احتلال الكوكب، وجعل البشر عبيداً”. في كلّ الأحوال، قد يخيّب التقرير الذي يرتقب أن تقدمه الاستخبارات العسكرية الأميركية إلى الكونغرس آمال المراهنين على وجود حياة أخرى في كواكب بعيدة عن الأرض، إذا نفى وجودها، أو جعل الظاهرة أكثر غموضاً، في وقت توقعت شبكة “سي أن أن” أن يصدر التقرير معلومات شحيحة. لكنّ إجراء تحقيق رسمي يمثل تحولاً سياسياً كبيراً في البلاد، بعد عقود من انتشار ثقافة شعبية تؤمن بوجود مخلوقات الأطباق الطائرة.