الدواب الإلكتروني

الذباب الإلكتروني مصطلح يعني، كما يقول أحد التعريفات، مجموعة حسابات وهمية مبرمجة على موضوع معين، بغرض التأثير على الرأي العام. بمعنى آخر، هناك من يديرها، ليصل إلى ما يريد. وهذا النشاط، في الغالب، نوع من الاحتيال والغش لهذا الرأي العام، فمن غير المعروف أن قضية عادلة حظيت بتأييد مجموعات الذباب الإلكتروني. ولهذا السبب على الأغلب، تمت تسميته “الذباب”، وليس النحل الإلكتروني مثلا. ويمكن أن نضم إلى هذه الفئة أفرادا يشكل كل منهم ذبابة إلكترونية مستقلة، لا بد أن كلا منا صادف واحدة منها على الأقل، والواحد من هؤلاء ليس بالضرورة أن يكون على علم بأنه ذبابة إلكترونية، ولكن فعله يتطابق ويكمل أفعال أسراب الذباب الإلكتروني. هذا مع مجموعة من أشباهه يقوم بتشتيت الانتباه. على سبيل المثال، تطرح أنت رأيا هو لا يوافقك عليه، مثل أنه لا توجد ديمقراطية في هذا البلد أو ذاك، فيهب هو ليشارعك “هل تعتقد أن هناك ديمقراطية في فرنسا؟ وهل تعتقد أنه لا توجد رشوة وفساد في إنكلترا؟ وهل تصدق أن هناك حرية صحافة في ألمانيا؟”. وإلى ما هنالك من أسئلةٍ هدفها تشتيت التركيز عن الموضوع لديك، ولدى من يقرأ ما كتبت.
والذباب الإلكتروني، بشكل عام، مصطلحٌ معروف لدى كثيرين. ولكن هناك فئات أخرى لا بد من التوقف عندها، مثل الجراد الإلكتروني، ولهذا أنواع مختلفة هو الآخر، فهناك من يمكن تسميتهم الكتاب والشعراء الذين ليسوا كتّابا ولا شعراء، وإنما يمكن وصفهم بمؤلفي الهراء. من لديه أدنى درجة من الذوق الأدبي لا يمكن أن يكمل أي نصٍّ كتبوه. ومع ذلك تجد لهم جمهورا بمئات الآلاف يتفاعل معهم بحرارة، مهما بحثت عن تبريرٍ لها، فلن تجد تبريرا منطقيا لذلك. النوع الثاني من الجراد الإلكتروني ذلك الذي يحقق أحلامه النرجسية عبر “فيسبوك”، فينتحل، على سبيل المثال، شخصية يحلم أن يكونها. على سبيل المثال “دكتور”، وهذا اللقب هو حلم كثيرين في مجتمعاتنا المغرمة بالألقاب. وعندما ينتحل صفة دكتور في الفلسفة أو الاقتصاد أو التاريخ فإنك ربما تتحمّل نرجسيته. أما عندما ينتحل صفة طبيب فقد يؤدي إلى مهازل كارثية، بمعلوماته الخاطئة التي يدلي بها للجمهور، وبوصفاته غير الصحيحة. والأنكى أنك تجد من يصدّقه. وقد شاهدت مرة شخصا يخاطب واحدا من هذه النماذج، قائلا “يا بروف”، وبروف اسم الدلع لبروفيسور. وقد سمى الأستاذ الدكتور في علم النفس، سامر رضوان، في أحد مؤلفاته، هذه الفئة من الجمهور التي تؤمن بالشعور بالعظمة لهذا الجراد الإلكتروني “السماد المعرفي”. أما جراديتهم فتتمثل بالقضاء على كل آليات التفكير في العقل البشري، وتجعله في خلاف، وربما في صراع مع التفكير المنطقي، وتجعل منه أسفل درجات التذوق الفني والأدبي، وتجرّده من كل آلياته الجمالية. الجراد الإلكتروني لا بد أن يُواجه بالفضح والتعرية دائما، وبدون أية مجاملة أو بالمقاطعة على أقل تقدير.
أما النوع الثالث من الفئات الإلكترونية، فهو يشبه الذباب الإلكتروني نوعا ما، من حيث الهدف والغاية، ولكن إذا كان الذباب الإلكتروني يريد أن يحرف رأي الشخص عن هدفه، فإن هؤلاء يهاجمون أصحاب الرأي الآخر بمنتهى البذاءة. يكيلون له الشتائم الأقذع، ويتعرّضون لما يعتبر من المحرّمات في مجتمعنا، ويسخرون من رأيه، ومن شكله حتى، ويحاولون الحطّ من شأنه. وفي بعض الأحيان، ربما يحمل كلامهم محتوى تهديديا للشخص. يختلف هؤلاء عن الذباب الإلكتروني بأنهم يهدفون، ليس إلى التأثير على رأيك فقط، بل إلى تدميرك وتدمير رأيك معا، ويتمتعون بحالةٍ من البهيمية والسعار، لا تترك لنا خيارا لنصفهم بغير “الدواب الإلكتروني”.
مشكلة من يمكن تسميتهم ذوي النيات الحسنة وأصحاب القلوب الطيبة أنهم لا يتحالفون، ويشبهون أولئك الذين يصوّرون الضباع تتناهش غزالا في الأدغال الأفريقية، أو حتى قطيع الجواميس الذي يراقب جاموسا رمته الأسود، فتكتفي بالمراقبة، أو القيام بحركاتٍ خجولةٍ دفاعا عنه، بدلا من أن تُعمل قرونها الحادّة به، علما أن الجميع يمكنهم الإبلاغ عن البهيمة الإلكترونية، وحتى حظره.