عن طقوس الكتابة وخرط القتاد

أخيراً أفقت من الوهم الذي لبثت في كهفه سنين عدداً، لأدرك أنني لن أكون أبداً كاتباً عظيماً. والفضل في ذلك لمجلة عربية وقعت تحت يدي بالصدفة، أنا آسف، مضطر للاعتذار فوراً، لأنني لا أريد أن أجد نفسي متهماً بالكفر لأنني نسبت أي فضل إلى بشر غير الله، أو لأنني أؤمن بالصدفة، خاصة وقد أصبح التكفير من الرياضات المفضلة للملايين، ولم تعد ممارسته تتطلب الانضمام إلى جماعة مسلحة أو إطلاق اللحية وتخفيف الشارب، بل أصبح كل ما يتطلبه إنشاء حساب على أي موقع للتواصل الاجتماعي، لذلك دعني أصحح المسار وأقل لك إن الفضل في اكتشافي ذلك كان لله عز وجل، ثم للقدر الذي جعلني أقرأ عند الحلاق مجلة عربية نشرت موضوعاً مترجماً عن طقوس الكتاب العظماء فجعلتني أكتشف أنني لم أقترب حتى من أول طريق الكتابة العظيمة الذي لا يزال دونه خرط القتاد.

لكي أكون أميناً معك، لا أعرف على وجه الدقة ما الذي يعنيه خرط القتاد، أو ربما كنت أعرف ونسيت، ولا أريد أن أذهب إلى شفيع الحيارى جوجل لأبحث عن المعنى الحرفي وأكتبه هنا لتعم الفائدة، لأن الأهم بالنسبة لي هو المعنى الدلالي الذي يجعلني أشعر أن “خرط القتاد” مناسب للتعبير “سيموطيقياً” عما أريد توصيله إليك، مع أنني لا أعرف أساساً من أنت ولا لماذا أريد أن أوصل إليك شيئاً معيناً، خاصة ونحن ربما نلتقي للمرة الأولى، وربما الأخيرة أيضا. على أية حال، إذا لم تكن تعرفني فأنت على الأقل ستعرف بعد هذا المقال أنك كنت مخطئاً عندما انتظرت مني كتابة عظيمة، فأنا لا أملك شروطها على أية حال، والخطأ ليس في قدراتي الضئيلة بل في توقعاتك العريضة.

يعني، كيف يمكن أن أكون كاتباً عظيماً كالبريطاني د. ه. لورانس والرجل كما قرأت لم يكن يكتب إلا عارياً، حسنٌ، أنا مثل نجمات الإغراء، ليس لديّ موقف ضد التعري طالما كان في خدمة الدراما، لكن طاولة السفرة التي أكتب عليها تقع في منتصف الشقة التي أسكن بها، ولست على استعداد لأن أكون قدوة سيئة لأولادي، فهم لم يجنوا ذنباً لكي يصطبحوا بمنظر كهذا، خاصة وهم في سن صغيرة لن تمكنهم أبدا من استيعاب قول الشاعر العربي” فتشبّهوا إن لم تكونوا مثلهم.. إن التشبه بالكرام فلاح”.

الأيرلندي العظيم صمويل بيكيت الذي لم يكن يكتب إلا وهو جائع تماما، أعشق بيكيت لكن من جَرّب الجوع إجباراً مثلي، يصعب عليه أن يجعله اختياراً

فكرت أن أقلد متعرياً آخر هو الأديب الفرنسي العظيم فيكتور هوجو، فأستأجر منزلاً خاصاً للكتابة أذهب إليه مثل هوجو كل صباح، ثم أطلب من خادمي أن يأخذ معه كل ملابسي ولا يعود إلا ليلا، بعد أن أكون قد أنجزت الكتابة التي يفترض بي أن أنجزها، لكن لنفترض أنني وجدت مساعداً هذه الأيام بمرتب معقول وتعامل مع طلبي بنية سليمة، من الذي يضمن لي أنه لن يصورني عارياً ويبيع صوري على شبكة الإنترنت.

على أية حال، تعري هوجو أكثر منطقية بالنسبة لي من طقوس فرنسي عظيم آخر هو فولتير الذي كان يجمع كل أقلامه الرصاص ويقوم بتكسيرها ولفها بورقة ثم يضعها تحت وسادته وينام، وعندما يستيقظ يجد الإلهام يتدفق عليه بغزارة، المشكلة أنني أكتب على الكمبيوتر منذ زمن بعيد، ولا أجرؤ على الاقتراب من أقلام الرصاص التي تستخدمها ابنتي الصغرى لأنها عندما أفعل تضربني بالقلم على وجهي، ولذلك اكتفيت بطقطقة أصابعي ووضعها تحت الوسادة التي أنام عليها، ومع ذلك، أو ربما بسبب ذلك لم ينزل أبدا عليّ الإلهام الذي نزل على فولتير.

مع الأسف، لن أستطيع أن أقتدي بالأديب النرويجي إبسن الذي كان يضع أمامه صورة للأديب سترندبرج أعدى أعدائه لكي يستمد من كراهيته شحنة تدفعه للإبداع، فزوجتي لن يرضيها أن أضع أمامي أثناء الكتابة سوى صورتها بوصفها ملهمتي وامرأة حياتي، ولو فرضنا أنني وضعت صورتها أمامي، فمن يضمن لي أن نسخة المجلة العربية لن تقع بين يديها يوما ما، فتظن أنني أحبها حب إبسن لسترندبرج.

خذ عندك أيضاً، الأيرلندي العظيم صمويل بيكيت الذي لم يكن يكتب إلا وهو جائع تماما، أعشق بيكيت لكن من جَرّب الجوع إجباراً مثلي، يصعب عليه أن يجعله اختياراً ولو كان من أجل خاطر عيون الكتابة. لدينا أيضاً الأمريكي المدهش إدجار آلان بو الذي لم يكن يكتب إلا وهو يحمل قطاً على كتفيه، وبأمل أن أكتب كتابة مبهرة مثله، ليست لدي مشكلة أن أحاول إنهاء عدائي التاريخي مع القطط التي طالما زاحمتني على وجباتي في مطاعم المحروسة، لكن حتى لو اقتنعت بحمل قط على كتفي وأنا أكتب، هل سأجد قطاً مصرياً يقتنع بحسن نيتي بعد كل ما عاناه من صنوف الغدر خلال سيره في الشوارع التي ينبعث الخطر فجأة من كل ركن من أركانها؟

حين وصلت إلى نهاية الموضوع الذي نشرته المجلة الأدبية، لاح لي بصيص الأمل الوحيد لي عندما قرأت أن الروائي الكولومبي جابرييل جارسيا ماركيز لم يكن يكتب إلا وهو يرتدي ملابس أشبه بملابس الميكانيكية تعبيراً عن خوضه للكتابة كعمل شاق يظنه البلهاء نزهة، وهذا أمر مقدور عليه، إذ تقبع تحت بيتي ورشتان للميكانيكا وسمكرة السيارات، لكن هل سأنجح في إقناع أحد من “أسطواتها” ضخام الجثة بأهمية مساعدتي في الحصول على “عفريتة” على مقاسي، بهدف الانحياز للآمال التي يعلقها الأدب العالمي على شخصي السمين؟

مستوى كتابتي في الفترة القادمة هو الذي سيكشف لك ذلك.

نشرت هذه السطور في عام 2008، وبالطبع لم تتحسن كتابتي منذ ذلك الوقت لأنني لم أتبع أياً من طقوس الأدباء العظام المشار إليهم آنفاً، ولم أغير طقوسي المعتادة في الكتابة وهي ألا أكتب على معدة فارغة أو ملآنة أو مزاج عكر جداً أو رائق جداً، وأن تكون في الخلفية أصوات لأغنيات أحبها لتكون ونساً لطيفاً، وبالطبع أصبحت الآن أعرف أن “خرط القتاد” يعني أن تحاول إزالة ورق شجر القتاد بكفيك لأنه شجر مليء بالشوك مما يستحيل فعله على عاقل، لكنني أصبحت أيضاً أعرف أن اختيار مهنة الكتابة في واقع كواقعنا ألعن مئة ألف مرة وأقل منطقية من “خرط القتاد”.