الرئيسية / عالمية/

ياسر زمّو.. ملامح أخرى لتشيخوف

أنطون تشيخوف القسم الثقافي - ياسر زمّو.. ملامح أخرى لتشيخوف

رغم أنّ أولى ترجمات نصوص أنطون تشيخوف إلى العربية كانت في بداية القرن الماضي، حيث نشر العديد منها على صفحات مجلّة “النفائس العصرية” التي أسّسها الكاتب الفلسطيني خليل بيدس (1874 – 1949) في بيروت، إلّا أن بعض أعماله ليست في متناول القارئ العربي حتى اليوم، حالها حال العديد من كلاسيكيات الأدب الروسي.

في مشروع يضمّ ستّة مجلّدات، صدرت حديثاً عن “دار خطوط وظلال” في عمّان النسخة العربية لثلاثة منها تضّمّ مجموعة قصص وروايات للكاتب الروسي (1860 – 1904) لم تُنقَل إلى العربية من قبل، بإمضاء المترجم السوري ياسر زمّو، على أن تنشر بقية المجلّدات تباعاً خلال العام الجاري.

في حديثه إلى “العربي الجديد”، يقول زمّو: “وفقاً لنسخة الأعمال الكاملة لتشيخوف، التي تقع في ثمانية عشر مجلّداً صدرت عن” أكاديمية العلوم” في الاتحاد السوفييتي عام 1974، فإنه كتَب 606 أعمال ما بين القصّة والنوفيلّا، أو ما تسمّى باللغة الروسية “بوفيست” повесть، وهو العمل الذي يتخطّى القصّة القصيرة لكنّه لا يتجاوزها إلى الرواية، ويعتبر أقلّ تعقيداً منها، والذي يبدأ بترقيم وتقسيم للفصول من قبل المؤلّف، بالإضافة إلى ثماني عشرة مسرحية ما بين الكوميديا والدراما”.

ويرى أنّ “السبب الرئيس لوجود عدد كبير من الأعمال التي لم تُترجم لصاحب “العمّ فانيا” إلى العربية، بل إلى لغات أخرى أيضاً، هو عدم معرفة القارئ، بل أيضاً عدد جيد من المترجمين، بأن تشيخوف كتب هذا العدد الهائل من الأعمال على مدار تسعة وعشرين عاماً، منذ أن كان طالباً في المدرسة الثانوية في تاغانروغ عام 1875، حيث بدأ بنشر مقاطع هزلية في الصحف والمجلّات الروسية، موقّعةً بأسماء مستعارة، حتى سنة رحيله، 1904؛ وهي مدة زمنية لربّما تعتبر قصيرة لكنّها زاخرة بأعظم ما عرفه الأدب الروسي والعالمي من الإبداع والإتقان في كتابة القصّة القصيرة”.

تشيخوف أدخلني عالم الترجمة التي لم تكن ضمن اهتماماتي

ويلفت زمّو إلى أن “أبو بكر يوسف قام بترجمة ثلاثة وسبعين عملاً من أهم أعمال تشيخوف القصصية والنوفيلّات والمسرحيات، وكذلك ترجم عبد الله حبة خمسة وأربعين عملاً من القصص المبكّرة، وثلاث مسرحيات، وعدنان جاموس ترجم أيضاً قرابة خمسين عملاً تكرّرت منها أعمالٌ مبكّرة مع ترجمة عبد الله حبة، بالإضافة إلى النوفيلّا الشهيرة “السهب”، ويوجد ترجمات لم يرها معظم بل جميع القراء العرب تقريباً لخليل الرز، وهناك ترجمة لعشرين عملاً تقريباً لمحمّد القصّاص، تقاطعت مع ترجمات أخرى لأبو بكر. بالإضافة إلى ترجمة يوسف نبيل لأطول عمل لتشيخوف، وهو “جريمة في حفلة صيد”، وترجمات أخرى تكاد تكون غير معروفة إطلاقاً نشرت في عدد من المجلّات العربية القديمة”.

يضيف: “وقمت باختيار وترجمة مئة عمل من أحبّ أعمال تشيخوف بالنسبة إليّ، تقاطع منها قرابة أربعة عشر عملاً مع مترجمين آخرين، وصدر من هذه الاختيارات اثنان وعشرون عملاً عن “دار كتابيا”. أمّا البقية، فلم تُتَرجَم حسب علمي وبحثي المكثّف، وبالتالي بوسعنا القول إن نصف أعمال تشيخوف قد تُرجمت إلى العربية تقريباً، لكن بخصوص النصف الآخر، واليوميات، والرسائل، فهي لم تترجم بشكل كامل، وإنّما كانت ترجمات مجتزأة ومتفرّقة هنا وهناك”.

ويوضّح: “حين أُسأل عن سبب اختياري لهذه الأعمال غير المترجمة دون غيرها، فإنّني أجيب أنّني مهتمّ بترجمة الأعمال التي كُتبت بعد عام 1885، وهي المرحلة التي تبلورت فيها موهبة تشيخوف وكانت في أوج تألُّقِها، وصدرت فيها أروع أعماله الأدبية مثل “السيّدة صاحبة الكلب” و”الرهان” و”الراهب الأسود” و”العنبر رقم 6″، وهي الفترة التي أعتبرها فترة تحوّل تشيخوف الشاب، الساخر، المنفتح على الحياة والحائم في سمائها كفراشة ربيعية، إلى تشيخوف الجادّ، المتسائل، الذي يطرح في أعماله أسئلة عن معنى الوجود في ظلّ ما يقاسيه الفقراء والفلّاحون من ظروف سيّئة، أو عند الغني الذي أعمت التخمة بصيرته، والمثقّف الذي لا ينتفع بثقافته أحدٌ، ولا هو نفسه ينتفع بعلمه وثقافته، ولا يدري أهو على حقّ في تبنّيه لفكرةٍ ما أو قيامه بسلوكٍ معين”.

ويعبّر زمّو عن تفاجئه حين علم أنّ نوفيلّا “جريمة قتل”، التي تتحدّث عن سوء نهاية ما يمكن أن يؤدي به الفهم الخاطئ للدين بالإنسان وبأهله ومحيطه، حتى يبلغ به الحال أن يقتل ابن عمّه لأنه خرق الصيام! أو في نوفيلّا “انهيار عصبي” التي تتحدّث عن شيوع الالتجاء إلى الدعارة من قبل الشباب المثقّف، والذين يراهُم السببَ الرئيس في تحطيم حيوات تلك الفتيات اللاتي يدفع معظمهنّ العوزُ إلى مثل ذاك الطريق.

وهناك قصّتا “عن الحب” و”تعاسة” اللتان يشير إلى أن تشيخوف يقف فيهما موقفَ الحائر بين صوت القلب ووخز الضمير حين يقع الرجل، رغماً عنه، في حبّ فتاة متزوّجة، بالإضافة إلى بعض القصص التي تتخلّلُها الكوميديا السوداء، التي تبدأ القصّة فيها بالهزل والسخرية، وتنتهي بالدموع وألم الفؤاد، مثل قصّة “الإسكافي والشيطان”، الذي يتحوّل الإسكافي فيها خلال ليلة واحدة من شحّاذ لا يملك شيئاً إلى رجل غني ذي قصر وخدَم، إلّا أن هذا التحول لم يكن على صعيد المادة؛ بل كان المال كفيلاً أن يجعل فيودور رجلاً مختلفاً تماماً لدرجة أن يصبح غريباً على نفسه.

وفي قصّة “الصيدلانية”، التي تتردّد فيها النبرة التشيخوفية الساخرة والتصوير الهزلي لأفكار طبيبٍ بدين وضابط هزيل، بحسب زمّو، يدخلان على صيدلانيةٍ شابّة ذاتِ حُسْن بغرض الحديث معها ورؤية وجهها، في حين أن زوجها لا يبالي بها ولا يفرّق بين جمالها الفاتن وبين زجاجة الكاربوليك. وثمّة قصص تتجلّى فيها رِقّة تشيخوف وبراعته في وصف مشاعر المرأة، لربّما أكثر من المرأة نفسها، مثل قصّة “دروس باهظة” التي يذوق فيها فوروتوف المثقّف، البدين، مرارة حبّ معلّمته الشابّة الصغيرة، غير المثقفة، التي لا تكترث بمشاعره ولا تعيْ لَوعة حبّه إطلاقاً، وتتغنّج عليه ببهاء وجهها ورشاقة قوامها، فلا هو يكسب شيئاً من دروسها ولا هي تبادله مشاعره.

هناك قرّاء عرب لا يدرون أن تشيخوف كان كاتباً ساخراً

بالإضافة إلى قصص أخرى تتميّز في عمق مغزاها مثل “ذعر” و”الخطاب” و”الليلة المقدّسة” و”الفلّاحات المتزوّجات”، وكلّ ما ذُكر هو بضعة أعمال من الأعمال التي لم تُتَرجَم، وهي على قدر كبير من الجمال اللغوي وعمق المفاد، والتي يتأرجح بها مؤلّفها على خيط رفيع بين التراجيديا والكوميديا. وثمّة عدد جيّد من الأعمال المبكّرة التي لم تترجم، كتبها تشيخوف أثناء دراسته الثانوية وأوّل دراسته الجامعية، وهي أقرب ما تكون إلى المقاطع القصيرة (أو السكتشات)، لكنّ زمّو يشير إلى أنه لم يكن مهتمّاً بترجمتها.

ويتابع المترجِم: “تشيخوف هو أكثر كاتب وشخصية مثقّفة أثّرت بي منذ أول مرّة قرأت له وأنا بعْدُ طالب في الثانوية، وكنت أظنّ حينها أن ترجمة أبو بكر يوسف في مجلّداتها الأربعة، وهي الترجمة الأشهر، تتضمّن جميع أعمال تشيخوف، ولكن بعد قراءتي ترجماته التركية لأعمال أخرى، علمتُ أنّ ثمّة أعمالاً أخرى لم تُتَرجَم إلى العربية، وقمت في أوّل سنة لي في الجامعة بقراءة ترجماته الإنكليزية لعدد من المترجمين، فرأيت فيها أعمالاً على قدر عالٍ من الجمال، وقمت باختيارها وبدأت في ترجمتها عن الإنكليزية في السنة الثانية أثناء دراستي الجامعية؛ أي قبل أربع سنوات، وكانت قرابة مئة عمل بين القصّة القصيرة والنوفيلّا، وقرّرت تجميعها معاً لحين انتهيت منها بعد عام وبضعة أشهر”. 

ويُسهِب: “كانت معرفتي باللغة الروسية متواضعة جداً في تلك الفترة التي ترجمت فيها الأعمال، بحكم أنني كنت ألتحق بدروس اللغة الروسية كلغة ثانوية، لكن بعد دراستي الذاتية وتمكّني المقبول من اللغة الروسية، قمتُ بالاطّلاع على المجلّدات الروسية الأصلية فوجدت اختلافات واضحة بسبب طبيعة ثقافة التكوين اللغوي بين الروسية والإنكليزية، ومنها اختلافات في العناوين، وتسمية بعض الشخصيات، وتغيير في الإدخالات اللغوية الهزلية التي قام بها تشيخوف على بعض الكلمات الروسية، فضلاً عن إدخاله لعدد كبير من المصطلحات التي يستخدمها الروس دون أن يعلموا أن تشيخوف هو مَن وضعها. لذا عزمتُ، بعد تعلّمي الروسية في السنوات الثلاث الماضية، على مراجعة الأعمال بشكل كامل وتحريرها وفق المجلّدات الروسية الأصلية، وقد أخذت هذه العملية وقتاً وجهداً كبيرين يتجاوزان كثيراً الجهد الذي بذلته في ترجمتها عن الإنكليزية”.

“ما أتمناه في هذا الجهد المتواضع هو أن أكون قد نقلت للقارئ العربي النبرة التشيخوفية المتميّزة، التي قضيت سنوات لفهمها في لغتها الروسية، ومن ثم إخراجها إلى اللغة العربية”، يبيّن زمّو، الذي يضيف: “تشيخوف هو من أدخلني عالم الترجمة الأدبية، التي لم تكن ضمن دراستي الجامعية ولا ضمن أهدافي، وهو مَن جعلني أحبّ اللغة الروسية رغم صعوبتها، وحبّي لكتاباته دفعني لأتجرّأ على ترجمة أعماله”.

وبعد صدور هذه الأعمال، ينبّه إلى أنّه “بالنسبة إلى القارئ، ستظلّ بعض الجوانب من شخصية الكاتب خفيّةً ما لم تُقرأ التحوّلات التي طرأت على حياته الشخصية ومسيرته الأدبية على حدّ سواء. وهناك، مثلاً، عددٌ جيّد من القرّاء العرب لا يدرون، لسبب أو لآخر، أن تشيخوف كان كاتباً ساخراً بارعاً إلى جاب كتاباته الدرامية والتراجيدية، وثمّة في الأعمال التي اخترتها عددٌ جيد من القصص الساخرة اللطيفة التي لا يمكن لأحدٍ منّا إلّا أن يكون قد صادف شخصياتها، أو عاش وقائعها ذات مرة في حياته. وهناك القصص التي تكشف عن حياة تشيخوف وأفكاره كإنسان، حيث أن الكثير من شخصياتها يجسّد أفكار تشيخوف في مرحلةٍ ما من حياته، أو موقفه تجاه فكرة ما، وكل هذا مهمٌّ، في رأيي، لمتابعي أدب تشيخوف”.

  • تم النسخ

مقالات ذات صلة